لم أكن أنوي الكتابة عن حادثة تدافع الحجيج في منى قبل انتهاء أعمال لجنة التحقيق وصدور البيان الرسمي الذي يفصّل الأسباب ويبين إن كان ذلك نتيجة عمل تخريبي أو سوء تنظيم، أم كان نتيجة لمخالفة بعض الحجيج للتوجيهات المنظمة لسير عملية الحج أو غيرها من التكهّنات المنتشرة في شبكات التواصل الاجتماعي وحتى لا ينطبق عليّ قول الشاعر:لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيمفلن يكون موضوعنا حول أسباب هذه الحادثة، بل سنتكلم حول الضجيج الذي صاحبها، ولست أقصد بالضجيج الأصوات الناعقة من الخارج والتي تحاول استغلال هذه الحادثة لتحقيق أهدافها الدنيئة للطعن في الجهود المبذولة من قبل المملكة العربية السعودية حكومةً وشعباً لخدمة ضيوف الرحمن، هذه الأصوات التي لا يشك إنسان عاقل في فسادها وإلا فكيف بمن أفسد وقتل وفجّر في الحرم في أعوام سابقة وقد يكون له يد فيما حدث هذا العام أن يكون أحرص على الحجيج ممن جعل خدمتهم غايةً له وشهد الجميع له بذلك.
تعالت الأصوات وكثر الضجيج صباح العيد حول هذا المصاب الجلل الذي فُجعت به الأمّة الإسلامية جمعاء وراح ضحيّته أكثر من سبعمئة حاج ومثلهم من المصابين آلمنا مصابهم أكثر من غيرنا وحق لنا ذلك فكل مواطن من أبناء هذا الوطن يستشعر عظم المسؤولية التي ألزمنا أنفسنا بها في سبيل خدمة ضيوف الرحمن فجمعنا لهم حقّ الأخوّة الإسلامية وحقّ الضيافة وقد انقسمت هذه الأصوات إلى ثلاثة أقسام متباينة فيما بينها.
فالقسم الأول الصوت المنادي بعدم الحديث عن هذا الموضوع وأن ما حدث مجرد قضاء الله وقدره وليس لنا اعتراض عليه وأنه ينبغي علينا الحديث عن فضائل الموت أثناء الحج وفي أرض الحرم وأن اللجان القائمة على الحج لا تخطئ، وأن كل من ينادي بتقصي أسباب هذا المصاب عميل للأعداء خائن للوطن، لذلك قد تجد صاحب هذا الصوت يسترجع التاريخ ويذكر لك حوادث الغرق التي حصلت للحجيج في العهود السابقة.
والصوت الثاني الزاعم بأن ما حدث ليس قضاء وقدرا وإنما نتيجة لفعل بشري كتقصير أو تخريب لذلك تجده يصدّق كل ما يقال دون تثبّت ويشترك أصحاب هذا الصوت مع أصحاب الصوت السابق في تخوين المخالف لهم فتجدهم يتّهمون أصحاب الصوت الأول بالمداهنة وأنهم أصحاب منفعة يقدّمون مصالحهم الشخصية الحاصلة لهم من السكوت على مصلحة الوطن التي تتطلّب المجاهرة بفضح المقصّرين.
وأما أصحاب الصوت الثالث وهم قلّة فتجدهم يطالبون بتحكيم العقل والإيمان بالقضاء والقدر وفي نفس الوقت انتظار نتائج التحقيقات للتثبّت من الأسباب ومحاسبة المتسبّب إن وجد وتلافي الأخطاء في المواسم القادمة وعدم فتح المجال للمتصيّدين من أصحاب الأهواء والأفكار الهدّامة والذين يبحثون عن مدخل للطعن في وطننا عن طريق الطعن في جهودنا في خدمة ضيوف الرحمن.
وهذا الصوت هو صوت العقل والذي ينبغي أن يكون صوت المواطن وينبغي أن نعلم أن ليس كل من يطالب بالهدوء مداهنا ولا كل من يطالب بالمحاسبة خائنا للوطن، ولكن ينبغي الموازنة بعد التثبّت والمساهمة الفعّالة بالمقترحات التي تسهم في تحقيق غايتنا العظمى ألا وهي خدمة ضيوف الرحمن.
ضجيج حول تزاحم منى
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
