(1) كان ضربا من الجنون أن تصدق، وأنت الذي عشت أواخر أطياف المجتمع الذي يسمونه الآن مجتمع (الطيبين)، أن يأتي ذلك (الزمن) الذي يقتل فيه الرجل فينا ابن عمه أو أخاه، موثقا هذه الجريمة على رؤوس الأشهاد بثقة وفخر، بسبب (وهم) الاختلاف الفكري (المغلوط) في ذهنية (القاتل)..!
يااااه، كيف كانت حياتنا، ونحن فتية نجوس في شوارع الحي العتيق، ليس في قلوبنا سوى حب الحياة والناس، والحكايات المعلقة على الشرفات التي يطرزها (الحنين).. نأخذ تعاليم ديننا من الأتقياء (الأنقياء)، الذين كانت (وصاياهم) تلتف حول أرواحنا المتعطشة للمطلق، برفق وود ولين وحنو، بما فيهم (آباؤنا وأجدادنا) الذين لم تصلهم تيارات (الغفلة) الدينية بعد..!
المشهد الآني ينوء بمفارقات موجعة، لا يتحملها القلب!
(2) الأمر - كما أرى - ليس حبا في (داعش) ولا في (أبي بكر البغدادي) ولا في الرايات (السوداء) كلها! هو- بشكل مقارب للحقيقة - الرغبة في اعتناق أي سلوك (متوحش)، يفرز فيه الإنسان الموتور رغباته الشاذة في التدمير والتخريب والترهيب، وتصفية البشر الذين يعيشون بقناعات مطمئنة (سعيدة)!
كما يفرز فيه نوازعه المقيتة في العيش داخل لحظة، ترى فيها الذات الموتورة أنها أصبحت (فاعلا) لأي شيء (ملفت للنظر)، قادرة على التحكم بأكبر حدث في تاريخ البشرية (الحياة والموت)! ولأنهم لا يمتلكون قطعا أدوات (الحياة)، وجدوا أنفسهم أسلحة للموت فحسب!
وبالتالي فإن هؤلاء الموتورين وجدوا في جماعات التطرف الإسلاموي فرصة لتحقيق تلك الرغبات النفسية (المعتلة)، ولم تكن (داعش) إلا أشد تلك (الجماعات) تطرفا وعنفا وتعطشا إلى فعل (أكثر الأحداث) دموية في الحياة: القتل! فاتجه لها هؤلاء الموتورون بلا عقل أو شعور! خاصة وأن (الدواعش) يتحركون من خلال مرجعيات دينية (سلطوية)، ظلوا يسمعونها على مدى سنوات، في (بيوتهم) و(مدارسهم) و(مساجدهم)، باعتبار أصحابها هم (سادة) العقل والتفكير والأمر والنهي، ممن يتوفر في (شخصياتهم) كاريزما القيادة في نفوس (شباب) مفرغ من كل قيمة دينية (حقيقية) وإنسانية وثقافية!
(3) أما لماذا انتهى هؤلاء الشباب (الموتورون) لهذه الحالة (المفرغة) من كل القيم النبيلة الدينية والإنسانية، فذلك بسبب (الغياب) المفجع للمكونات الثلاثة الرئيسة في تكوين المجتمعات البشرية الطبيعية ثم (الحضارية) بعد ذلك، (والتي سبق أن أشرت إليها في مقاربتي السابقة)، وها أنا أعيدها لأهميتها - وليس لأن أقول معارا من لفظنا مكرورا- وهي المكون الديني (الصحيح) الذي ينتج بدعم خطابات دينية خالصة ومعتدلة ومحققة للمقاصد الحقيقية للشريعة الإسلامية العظيمة، والمكون العلمي- الثقافي الذي يغرس في الذهنية الجمعية مبادئ (الموضوعية) و(المنهجية) و(التعددية) و(الاتزان) و(الدقة) و(الحياد) في مواجهة القضايا الكونية والبشرية المتنوعة والمتحولة يوما إثر يوم! وأخيرا المكون الأدبي الفني، الذي يهذب النفوس ويسمو بها فوق إحباطات الواقع وانكساراته، لبلوغ فضاءات تتحقق بها لذة الشعور بالجمال وتجلياته الهائلة في الكون والإنسان والحياة!
(4) (تدعشن) هؤلاء الشباب لم يكن إلا شكلا من أشكال (التوحش) الذي أصابهم، لأنهم وجدوا أنفسهم فجأة بلا غطاء ديني روحي (صحيح)، وبلا مبادئ (علمية)، توجه ذهنياتهم المعطلة للتفكير المثالي، عند مواجهة قضاياهم الخاصة ومتغيرات الكون والحياة العامة، وبلا نداءات (أدبية - فنية) داخلهم، تشغل حواسهم (المتأججة) عن ممارسات شاذة شتى، للانغمار في لحظات جمالية تدهش لها النفوس وتطمئن فرحا وسعادة وحبورا!
(5) ولا يخفى بالطبع على كل (عاقل) مخلص لهذه الأرض (الطيبة) أن (الحل) يكمن في (معالجة) ذلك الغياب المقيت للخطابات المنشودة (الدينية والعلمية والأدبية - الفنية) في الذهنية الجمعية..! فنحن لا نزال- حتى اللحظة - نرتهن إلى وصايا دينية متطرفة (من الرموز إياهم منذ ٣٥عاما من زمن الوطن)، تكرر الأقوال نفسها عن (الولاء والبراء والانغلاق والعنف و...).
وليس لدينا في الحقيقة خطاب (علمي) يحتفي بأبسط مبادئ العلم والتنوير داخل المدارس والجامعات، بل إن الخطاب المهيمن على تلك الفضاءات الموسومة بالعلم والتعليم، هو الخطاب الديني المتطرف إياه، الذي كانت أقل تأثيراته السلبية المفجعة (تجريم) العلماء الحقيقيين والمثقفين الشرفاء، ونبذ كل ما تنتجه الثقافة العالمية من تيارات نهضوية متعددة!
وبالطبع، فمجتمعنا يرزح تحت وطأة (الجلافة)، بـ(تحريم) كثير مما ينتجه عالم الأدب الحديث محليا وعربيا وعالميا، و(تحريم) الفنون البشرية المشروعة من (سينما) و(موسيقى) و(مسرح)..!
(6) غياب هذه المكونات يتناسب (طرديا) مع ظاهرة (التوحش) تلك، فكلما (استمر) ذلك الغياب المفجع لتلك المكونات الثلاثة.. (إياها)، زاد عدد (المتوحشين) لدينا، والذين لن يتورعوا.. حتى عن قتل إخوانهم وآبائهم وأمهاتهم.. وعلى (الهواء) مباشرة!!!..رحماك ربي!
(التوحش المحلي والمتوحشون): مقاربة أخرى!
فيصل الجهني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
