خيام بيضاء، وتقسيمات لمسارات نافذة تشق أطراف مشعر منى من بداية الحدود الشرعية لمزدلفة وحتى منشأة الجمرات.
أيام ساكنيها خمسة في العام، لباسهم البياض، وحياتهم فيها عبادة وابتهال، يقضون فيها يوم التروية، ويوم الحج الأكبر، وأيام التشريق.
حياتهم فيها تختلف عن بلدانهم ومدنهم وضواحيهم.
تجردوا من الغرف الفاخرة والحياة المرفهة.
حياتهم في مشعر منى رغم قصر أيامها أجمل من الحياة التي يعيشونها، الذكريات الجميلة، وحياة أرواحهم لا تنسى، في الخيام اختلطت الدموع بزغاريد الفرح، وتشاركوا المأكل والمشرب مع إخوتهم من الحجاج.
ويقول الحاج عبدالرحيم الدميري: «روحي اشتاقت إلى الحج وكل يوم يمر من حياتي لا يبارح فكري هذا الأمل بأداء الركن الخامس لكنني لم أكن أتخيل أن الأيام التي قضيتها في منى ستكون أجمل الذكريات، أيام قلائل لكن روحي تلاقت مع جسدي في المشعر المقدس، بكيت من جمال الحياة فرحا، وحرصت على توثيق كل لحظة من حياتي في هذا الموسم لتبقى ذكرى قد لا تتكرر في حياتي القادمة، عرفت جيدا معنى الفرح والبهجة حينما قضيت أوقاتا لا تنسى إلى جوار إخوتي الحجاج».
مدينة نموذجية
مدينة الـ160 ألف خيمة توفر كل مقاييس المدن العالمية، المستشفيات والمراكز الصحية في كل جنباتها، خدمات أمنية، وتنظيمات ذات مقاييس لا تتوفر في غيرها من الأمكنة، فيها عناصر جاذبة ومتفردة، عناصر بنائها الحديث شاملة لكل الخدمات، بأنظمة مكافحة للحرائق متطورة، وأنابيب في باطن الأرض لتصريف السيول وضخ المياه في المخيمات.
مساراتها تؤسس للمدن النموذجية إذ منحت منى المقدسة بأحقية للمشاة لا تتعارض مساراتهم مع مسارات المركبات، تشكل مساراتها تقسيمات هندسية أعدت بعناية شاملة للحركة الترددية لحافلات نقل للحجاج، وتخترق جبالها أنفاق بسيور متحركة لنقل الحجاج الراجلين، وأخرى للمركبات.
ويقول المهندس سيد الحكيم: «مشعر منى له خصائص لا تتوفر في غيره، المدينة التي لا تنام، هويتها ليلها يختلف عن نهارها، ففي ساعات النهار تتحول إلى كتل بشرية من المشاة، وفي المساء تصبح أكثر هدوءا، إلا من بعض تراتيل آيات القران وجلسات الذكر، وأحيانا أخرى يتبادل الحجاج حديثا مختلفا عن أحاديثهم خارجها، فأخبارهم تدور حول متى نرمي الجمرات، ويتعرفون من المنظمين على الطرق الرابطة بمخيماتهم، ورغم التشابه بين مساراتها ومخيماتها إلا أن المسارات المحددة والتعليمات الواضحة هي السبيل لمعرفة الحجاج بأمكنتهم»
أضواء اللد
جبالها اكتست بالبياض في ليالي التروية والتشريق بأضواء «اللد» المرتبطة بالطاقة الشمسية التي أثبتت أنها المدينة العصرية المتمسكة بروح الماضي وحداثة المستقبل من خلال بنائها بالخيام المطورة التي تحتفظ بالروحانية التعبدية والتي تعزز شعور الحجاج بتفرد المدينة الحائزة على جائزة أفضل بناء حضري في العالم.
مشعر منى الواقع بين مكة من ثلاث جهات ومشعر مزدلفة من الجهة الرابعة كل مساراتها نافذة وهو ما ساهم في انسيابية تنقل الحجاج بين المشاعر منطلقين من منى إلى عرفات مرورا بمزدلفة يوم التاسع، والعودة من جديد إليها يوم العاشر وخلال الثلاثة أيام التي يقضيها الحجاج المتعجلون أو الأربعة أيام للحجاج المتأخرين يجد الحجاج جميع الطرق تؤدي إلى مقاصدهم باتجاه المعيصم لذبح الهدي والأضاحي، وإلى الحرم للطواف والسعي، وإلى المساكن في مكة والعودة من جديد للمبيت.
محمد سعيدي حاج جزائري يعتبر منى بوابة المنتصف بين المشاعر ومكة ويؤكد أن موقعها الاستراتيجي منحها أفضلية ومكن الحجاج من الحصول على الخدمات التي يحتاجون إليها، ودفع الكثير منهم إلى التمسك بالبقاء في المشعر طيلة أيام التشريق وعدم مغادرتها إلى مساكنهم رغم أن أركان وواجبات الفريضة تكفل لهم إمكانية مغادرتها في النهار والعودة إليها ليلا للمبيت، حرصا منهم على الحياة الروحانية التي تتميز بها منى.

