يعد نظام قدا، الذي يدير شؤون شعب قبائل أرومو في شرق أفريقيا، ويعيش أغلبه في إقليم أروميا الإثيوبي، نظاما فريدا في طبيعته من حيث ممارسته للديمقراطية ضمن تعددية حزبية.
قوانين الفطرة
فمنذ فترة طويلة لدى هذه القبائل رغبة في قيادة نفسها تحت نظام اعتادته وتوارثته أبا عن جد، وهو نظام قدا.
وسماحة هذا النظام تكمن في المنافسة على تولي السلطة، حيث يقدم الحزب الحاكم النصائح لأعضائه، وللحزب المنافس حتى لا تخرج الحياة عن مسارها الطبيعي.
ويقول الإعلامي صادق محمد المهتم بالثقافات الأرومية إن هذا النظام هو أقدم نظام اجتماعي سياسي وقضائي في المنطقة، وله أحكام شرائع خاصة به، وكان في السابق من أكثر الأنظمة المتبعة في المنطقة.
وتعد تجربة قدا من أكثر التجارب تاريخيا في الحكم وحل الخلافات، إذ لم يوضع نظام مثله، سابقا كان أم حاليا.
نظام بلا انقلابات
ويتم إعداد الرئيس أو الحاكم قبل فترة حكمه بعدة أعوام، حيث يمر بمراحل تدريبية متعددة وفترات اختبارات وتعليمات على نظام الحكم وإدارة القبيلة وكيفية تكوين إداراته أو حكومته.
وهو نظام يتم دراسة طريقته الآن لنجاحه في العديد من القضايا خاصة في حل الخلافات، ولا توجد فيه انقلابات على السلطة، وهو ما يشير إلى الاحترام المتبادل بين الأحزاب لتحقيق البرامج التي وضعها الحزب الحاكم حتى نهاية فترة حكمه.
تقسيمات قدا
يرتب نظام قدا الحقوق والواجبات بين جميع الشعوب التي تنتمي إليه، حيث يمنح الحقوق لمنتسبيه على أساس الفئة العمرية، فمثلا الحزب الأول يبدأ من الولادة حتى السنة الثامنة (0-8) ويدعى (برمجي)، والحزب الثاني من (8-16 عاما) ويدعى (هورتا)، والحزب الثالث من (16-24) ويدعى (دالو)، والحزب الرابع من (24-32) ويدعي ( ميلبا)، والحزب الخامس من (32- 40 عاما) ويدعى (روبلي).
هوايات منتسبي قدا
وتتوزع حقوق وصلاحيات الفرد وفقا للفطرة ودون تمييز، فعند انضمامه إلى الحزب الأول يجد كل الرعاية والألفة، وعند بلوغه الحزب الثاني يتدرب على السباحة ويلقن القصص والروايات والغناء، وعند وصوله للحزب الثالث يبدأ التعليم مع العمل الزراعي وتربية الحيوانات، إضافة إلى ركوب الخيل وممارسة أسلوب القتال والحرب.
وعندئذ ينضم إلى الحزب الرابع ليصبح فارسا مقاتلا ويختار مجلسا للدفاع عن الوطن ويدعى (هايو هريا)، وفي مرحلته الأخيرة وبعدما اكتسب خبرات الحياة يلتحق بالحزب الخامس حيث يتاح له أن يتزوج ويعد نفسه لتولي المنصب، ويدرس التاريخ والقانون وثقافة بلاده.
وبعد بلوغه سن الأربعين لديه كل الصلاحية ليدعى (أبا قدا).
إدارة النظام
يبنى أسلوب الإدارة في نظام قدا على احترام الأقليات وإشراكهم بالحوارات والمناقشات في القضايا التي تهم الجميع مع اتخاذ قرار في نهاية المطاف برأي الأغلبية.
وهذا الأسلوب يتخذه النظام الإداري في مرحلته النهائية لتفادي الاستبداد وألا تكون السلطة حكرا على الأفراد وألا تقع السلطة في أيد غير آمنة.
وبذلك يمكن القول بأن الشعب الأورومي لم يستخدم كلمة الديمقراطية الحديثة، في حين كان يستخدم جميع آلياتها ومكوناتها الأساسية.
آليات قدا
يعتمد نظام قدا على وجود مؤسسات تسمح بانتقال السلطة بصورة سلمية.
ويتم ذلك بوجود المجلس الاستشاري للحاكم الذي يعقد اجتماعه كل ثماني سنوات بمشاركة جميع الأحزاب (5 أحزاب) والتي يمكنها طرح أجندات اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية في مكان يطلق عليه اسم (أودا)، تحت ظل شجرة ضخمة (نوع من الإرث المتداول لدى هذه القبيلة).
والاجتماع يطلق عليه (غومي)، لكن يطلق عليه حاليا اسم (تشفي) وتعني مجلس أعضاء البرلمان أو نواب الشعب، ومهمته الأساسية إصدار القوانين ومراقبة تنفيذها.

