كلنا قلوبنا شتى، ومن لا يكون كذلك وقد دهمتنا تلك الأخبار والصور المفزعة لحادثة تدافع الحجاج في منى؟ من منا لم يفزع لمناظر الجثث الملقاة فوق بعضها في مظهر موت جماعي تحسبه آثار قصف أو قنبلة؟ وما زاد الوضع سوءا هو تلك الأصوات التي تباينت ما بين لطم خدود السلطات وشق جيوب القائمين على الحج.
وما بين التطبيل والتهليل ونفي القصور أو الخطأ في اندفاع أعمى.
انشغلنا في أنفسنا ومشاعرنا وشعورنا بالاستحقاق في اللوم والتساؤل والاحتجاج والقرع والجدال، وانكفأنا على أجهزتنا، كل ينفث غضبه وحزنه وهجومه ويتداول الصور والاتهامات بضغطة زر.
ونسينا في هذا الخضم وفي هذا الاندفاع أن نحكم عقولنا قبل مشاعرنا.
نحكم الواجب قبل رفاهية حرية التعبير.
نسينا أنه رغم الحدث فالموسم ما زال في أوجه، ورجالاتنا ومؤسساتنا وقطاعاتنا ما زالت مستنفرة تصارع بين ما طرأ وما يجب أن يتم.
نسينا أن الأرواح التي فاضت إلى خالقها لها حرمة، وأن التي كتب الله لها عمرا جديدا ما زالت تصارع للحياة.
نسينا ترتيب الأولويات، وأن المحاسبة تتم بعد الخروج من الأزمة وظهور التحقيقات.
أخذتنا سكرة الفاجعة، وثملنا على صورها وأخبارها، مصدقين أننا أكثر حرصا على الحجاج وعلى سلامتهم وأمنهم وعلى كمالية إتمام مشعر الحج من مسؤوليه وقائميه ودولته.
هل سمعتم يوما بالحرب النفسية، إنها تلك الحرب الخفية، الأكثر خطورة، الأكثر فتكا.
تلك التي تجعل القوي يؤمن أنه ضعيف، وتحول النصر في لمحة بصر إلى هزيمة.
إن ذلك ما نفعله يا سادة.
إننا بدون أن نقصد نوجه حربا نفسية شعواء إلى جنود وكوادر ورجالات ما زالت تحتاج للصمود في مواقعها.
ما زالوا محتاجين للإيمان بقياداتهم، ما زالوا محتاجين للإحساس بالدعم والتقدير.
والأهم ألا نلقي بكل جهودهم وتفانيهم واجتهاداتهم أدراج الرياح واعتبارها من المسلمات.
فإن كنت تشعر بالغضب والحنق وأنت خلف جهازك، فأرجوك قبل أن تكتب حكم عقلك وقلبك، ثم فكر في رجل أمن كاد يموت، وفي رجل إسعاف يحمل الأجساد، وفي طبيب لم ينم منذ البارحة، وفي أناس فقدت أحبابها، وفي أجهزة إعلام تبحث عن الفرقعات الإعلامية، وفي جبهات مفتوحة وأجندات سياسية مترصدة.
والأهم فكر في نفوس إنسانية، بشرية لا تمتلك مثلك رفاهية العويل، وتستشعر هذا الجو الخانق من اللوم والاتهامات، ومع ذلك ما زال عليها العمل تحت كل هذا الضغط لأداء واجبها.
heba.
q@makkahnp.
com