نعم، لم ولن يكون مثل هذا اليوم! فالأيام تتشابه بل الشهور والسنون في تجمد المشاعر تحت درجة الصفر، تختلف في أسمائها وأحداثها بعد رحيله، فلقد رحلت روحي برحيله لم تعد الفرحة كما كانت، والضحكة أصبحت أقل انفعالا، والبسمة فتر بريقها، والكلمات أصبحت مجرد حروف متراصة تكون كلمة وكلمتين فتصيغ جملا لا تنبض إلا ببصيص من الحياة، حتى ألوان الطيف امتزجت وأنتجت سرابا لا وجود له.
لم يكن مثل هذا اليوم ولن يكون! فاليوم ينقصه الكثير، ينقصه أبي، بل روح قلبي، لن أقول قلبي فقلبي ما زال موجودا لينبض بالدعاء له والدعاء لنفسي أن أجتمع به في الفردوس الأعلى إن شاء الله حيث لا فراق ولا حزن ولا ألم، أنا لا أتذكر والدي لأنني لم أنسه قط، وكيف أنسى نفسي! فإن رحل بجسده فلقد ترك خلفه حنانا وعطفا واهتماما وحبا وتضحيات وتفانيا من أجل سعادتنا.
أبي كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، نحن امتداد لك يا أبي، لن تموت طالما نحيا باسمك، وننشر سيرتك العطرة من خلال تعاملنا مع الآخرين، فعملك الطيب ما زال مستمرا رغم غياب جسدك عن الحياة، إن حزنت فحزني على فراقك وعدم استطاعتي تقبيل رأسك ويدك، ولكن ما يثلج صدري وفاتك في أفضل الأيام عند الله يوم الجمعة وأفضل الشهور عنده وهو شهر رمضان في عشرة المغفرة وكلي ثقة ورجاء في الله أن يشملك بعفوه ومغفرته ويدخلك فسيح جناته، وأن يجمعني بك في جنانه فأمتع ناظري بمحياك وأطفئ نار شوقي برؤيتك، وأطيب جراح قلبي الموجوع.
عزائي أن هذه الدنيا مجرد محطة انتظار، كل ينتظر موعد رحلته الأخيرة للدار الآخرة حيث يلتقي الأحبة لقاء لا فراق بعده، لقاء طال انتظاره يحمل كل منا حقائب أعماله، وكلما صلحت تلك الأعمال كلما حصلنا على مقعد صدق عند عزيز مقتدر، اللهم اجعلنا وآباءنا ممن يتسلمون كتابهم بيمينهم، وتقول لهم الملائكة ادخلوها بسلام آمنين.
لكل من توفي والده ولمن لا يزال والده على قيد الحياة كن بارا بوالدك مطيعا له محسنا إليه محافظا على ابتسامته، اجعله سعيدا دائما وأبدا فإن توفي فلا تقطع برك به بل ادع له آناء الليل وأطراف النهار، تصدق له يوميا ولو بريال فإن والدك يحتاجك حيا وميتا فلا تبخل عليه، فهو يستحق كل خير، ألم يحرق نفسه ليضيء حياتك؟ ألم يحرم نفسه ليسعدك؟ ألم يضحّ ليربيك؟ وإن أبكاك يوما فهو لم يبكك إلا لتحصد في المستقبل ما يضحكك، لن نوفي حق الأب وكيف نوفيه ولقد اقترنت طاعته بطاعة الرب.
آباؤنا هم عنواننا، فإن أضعناهم أضعنا مكاننا، تتمثل في خير وحب وأمان ورحمة وعرفان وبر وإحسان بين طيات القلوب نغدقها على آبائنا بعدما سقونا من دمائهم ودموعهم، فهل تنبت تلك السقية ما كانوا يتمنونه، اللهم لا تخيب ظن أب بابنه، فلنكن عند حسن ظنهم أحياء ومفارقين، فهم ليسوا أمواتا بل أحياء في قلوب ما زالت تحيا بحبهم وببرهم وبالإحسان إليهم، وليكن شعارنا أبي ما زال حيا ما دمت حيا، وبإذن الحي في الجنان نلتقي.
معذرة أبي ما خطه قلمي لا يمثل إلا واحدا على مليون من حقك علي وقد لا يمثل شيئا.
لم يكن مثل هذا اليوم!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
