عندما ظهر الخوارج في عهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه سأله أصحابه هل هم كفار؟ فقال: من الكفر فروا، فظن كثير من الناس أن الخوارج فرقة من فرق الإسلام في كل حالاتها، ولم يكن يقصد أمير المؤمنين بأن أفعالهم ليس فيها كفر، ولكنه أراد أن يبين أن أفعالهم صدرت من اعتقادهم بأنهم على الحق، كما أنه رضي الله عنه خشي من ظهور نزعة التكفير المضادة فتصبح الأمة ذات شقين تكفيريين في حمى الفتنة.
ولكنه كان يعلم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن هؤلاء يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وكانوا يسمونهم المارقة، وقد ظهرت فتاوى لعلماء من السلف بتكفير الخوارج لاستحلالهم ما حرم الله ولتكذيبهم القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم بتكفيرهم لعلي بن أبي طالب ومن معه من أهل بدر والسمرة، وغير ذلك من العقائد الشنيعة التي يعتقدونها من استحلال الفروج وسبي المسلمات وقتل المعاهدين والمستأمنين والذميين، وكل هذه العقائد هي من أشكال المروق، وفيها رد للشريعة والقرآن والسنة القطعية.
والذي تفعله الجماعات التكفيرية والغلاة من قبلهم هو أشد من فعل الخوارج قديما، والحقيقة أنهم أثبتوا مروقهم من الإسلام في مواقف وأقوال ومشاهد لا تحصى، وهؤلاء هم أتباع حرقوص التميمي الذي اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالظلم وقال: اعدل يا محمد، وهذه الكلمة مروقلا شك فيه.
الذي سيصدم الجميع أنني وجدت فتاوى متداولة بين الناس تفتي بكفر من يفعل كذا وكذا، وهذه الأفعال التي يكفرون الناس عليها ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة فعلوها وهي من الأمور الشرعية!من هنا بدأت أتساءل: من أين أتى خوارج العصر ومارقة الزمان؟ إن لم يكنوا أتوا من هذه الفتاوى وأمثالها فمن أين أتوا إذن؟ لقد أصبح الواحد منهم يقتل أباه وأمه ورحمه! ولم يصل إلى ذلك إلا بعد الحكم بخروجهم من الدين، فهل بعد هذا المروق من مروق! فالصحيح أن هؤلاء مارقة العصر، وكل من أعانهم أو سكت عنهم راضيا أو دعا إلى مذهبهم ودولتهم المزعومة فهو مارق مثلهم.
وهؤلاء هم صغار الأسنان سفهاء الأحلام الذين أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين يأتون في آخر الزمان وتوعدهم بالقتل إن أدركهم وأن يقتلهم قتل عاد وإرم، وقال: طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، وهؤلاء سيخرج في عرضهم الدجال كما في الحديث الشريف.
الإشكالية ليست في داعش ولا النصرة ولا غيرهم فالأمة ستقضي عليهم قريبا والعالم لا يمكن أن يقبلهم في الوجود إلا بمقدار ما ينفذ بهم مآربه ثم ينتهي منهم في أشهر أو سنوات معدودة، كما فعل يوم جاء بطالبان لهدف ثم أزال دولتهم في عشرين يوما.
الإشكالية في الفكر الذي جاؤوا منه وتغذوا عليه وتربوا وتأصلوا على مبادئه، في التكفير على المسائل الخلافية، وفي احتقار عقائد المسلمين المخالفين، وفي لي أعناق النصوص والتلاعب بها، وفي تقديس المذهب والطائفة والجماعة والنفس والمرجعيات العلمية، وتطبيق عقيدة البراء من المسلمين المخالفين، وغير المسلمين المعاهدين، وغير ذلك من العقائد المشوهة والملبسة بأشكال من الأناقة والغطرسة والاستعلاء والاطمئنان أنهم على الحق المبين، المصيبة تأتي من طفل يدرس في سنواته الأولى على أن أكثر أمة محمد على الشرك والكفر وأن الإسلام هو ما يتعلمه فقط.
الطريق الوحيد هو نزع فتيل الفكر التكفيري من منابعه، والضرب بيد من حديد على يد كل دعاته ومروجيه، وإدراك الجيل القادم وقطع الطريق على التمدد الفكري من خلالهم، وترك المجاملات مع أرباب هذا الفكر، وفتح الأبواب لحرية الاعتقاد على مستوى الأمة، مع الضرب بيد من حديد على المتعصبين والطائفيين، وإلا فإن القادم أشد لأن الفتنة إذا لعبت بالرؤوس أشد فتكا من الخمر المعتقة، تعمي وتصم صاحبها عن غير هواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هكذا يمرقون من الإسلام
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
