منذ أمد بعيد والحج حتى في عصر الجاهلية موسم من مواسم (البيع) وطلب الرزق الكريم البسيط لمن ينتظر تلك المناسبات بفارغ صبر ويتمنى لو كانت السنة كلها حجا لتستمر مكاسبه التي يعتبرها مشروعة لأنه يبيع على الحجاج بضاعة غمست في بركات هذا البلد الطيب والمكان المقدس.
وتعارف أهل مكة والمناطق المجاورة لها في الحجاز على أن من يغتنم فرصة واحدة لتحقيق هدفين بنفس الوقت ينطبق عليه المثال العامي الذي يقول: (حج وبيع سبح) بمعنى أنه يحقق مكسبا دينيا بالحج ومكسبا دنيويا ببيع (المسابح) التي تدر دخلا وفيرا لمناسبتها كثرة طلب الحجاج وإقبالهم على البضائع ذات الطابع الديني.
الفكرة الموجودة في أذهان أولئك البسطاء أصحاب البضائع الزهيدة الثمن والخفيفة الحمل كانت ترتكز على أن التكسب الحلال مصدر من مصادر بركة رب العالمين خاصة إذا كانت تجمع بين الرغبة في إعفاف النفس وخدمة الحجيج وضيوف الرحمن وصاحب البيع والعرض هذا (حاج) مثله مثل الحجاج في قصدهم الديني ونيتهم الروحية والاشتراك حينئذ في هذه النية مدعاة للمشاركة الوجدانية والعدل والقسط والصدق والأمانة في الأخذ والعطاء بعيدا عن الغش والإضرار بحاج بيت الله.
الآن وقد عمد المسؤولون منذ زمن بعيد لمنع الموظفين والمباشرين لخدمات ميدانية أو اجتماعية أو صحية أو أمنية تمس الحجاج على جميع الأصعدة والمستويات الوظيفية من الحج وممارسة هذه الشعيرة بناء على أن التفرغ لهذا الهدف العظيم الذي هو خدمة حجاج بيت الله الحرام من أولويات الموظف وأهم واجباته التي لا يناسبها مزاحمته لهم في أماكن أداء الشعائر أو الانصراف عن خدمتهم لطواف أو سعي أو رمي جمار ..وأصبحت تلك سنة وعادة حققت أهدافها لحد كبير في القطاع الحكومي الذي يرتبط ارتباطا مباشرا بما يصبو إليه القائمون على تنظيم الخدمات الميسرة للحجاج لكن العدوى انتقلت حتى للقطاع الخاص من شركات تعنى بالتغذية أو الإسكان أو النقل والمواصلات ونحوها من خدمات الحج الخاصة، فقلما تجد من هؤلاء من هو حاج في أتون متابعته لأعماله الاقتصادية المتعلقة بهذا الموسم المهم لمضاعفة الأرباح.
والأمر الذي أدى إليه هذا التأثر السلبي بهذه الظاهرة الحسنة في ظاهرها هو أن العلاقة الحميمة التي كانت تربط الحاج القادم من أقصى الدنيا بالإنسان الموجود في الأماكن المقدسة من مشاركة روحية في الشعيرة والنية والقصد أصابها الكثير من البعد والصلابة والخشونة، حيث تفرغ المهتمون بسير أعمالهم وشركاتهم التجارية بشكل منظم وعمل دقيق يراعي الساعة والدقيقة كزمن قياسي للتكسب والربح في موسم ضيق أيامه معدودة وفوات فرصه لن تعوض وخسائره قاصمة للظهر.
وأصبح النظر والتعامل منصب على مقاصد دنيوية بحتة ركزت على تطبيق كافة الأنظمة والتعليمات التي تتعامل بها شركات السياحة والسفر في دول أخرى تعتمد في اقتصادياتها على مدخول سياحي في موسم يمتد لأشهر وليس لأيام كما هو الحال في أيام معدودات لحج بيت الله الحرام، وإن كانت تلك الشركات السياحية في العالم كله التفتت أخيرا لإشراك العوامل الإنسانية والنظريات التي تعنى بالتعاملات الشخصية لكل المتعاملين في ذات المجال وفروع السياحة والسفر.
أنا لا أحكم بخطأ أو صواب على هذا الاتجاه أو ذاك المقصد الذي يعمد لأن يكون التفرغ موجودا في من يعمل لخدمة الحجاج خدمة مجانية كالخدمات الحكومية لكنني أستغرب من اتجاه تجاري بحت تسلكه النظرات الربحية عند من يتلمسون مكاسب دنيوية مشروعة في الحج، حتى إنك تجد منهم من يعمل في إدارة أو تشغيل مؤسسته أو متجره أو خدمته الموسمية منذ عشرين سنة ولم يحج حتى الآن.
أتوقع أن تلك المساحة التي ساهم هذا الاتجاه في توسيع مداها بين الضيف والمضيف هي من هيأت بيئة مناسبة لبعض الممارسات الخاطئة عند تجار واقتصاديين وأرباب حملات بل وأصحاب دكاكين وبقالات وحتى باعة متجولين فتفرغت نفوسهم وأعمالهم وأهدافهم لغش وغبن وضرر غير مبرر سوى بربح عاجل مهما كان الثمن.
فليس بغريب إذا أن يكون من يروج (للسجادة) لا يصلي، ومن تبيع وتصمم ألبسة الحجاب وأزياء المحجبات تكشف عن ساقيها، ومن يحضر مواسم الخير والبركة والرحمة والمغفرة في الحج يبيع (السبح) ولا يسبح.