في أكبر تجمع سنوي منظم يخدمه أكبر عدد من العاملين من مختلف التخصصات يتجدد موسم الحج ليتجدد الاهتمام والدعم الحكومي لهذا الموسم العظيم ليكون تكليفا قبل أن يكون تشريفا.
يأتي الحجاج من مختلف الوجهات بثقافات متباينة وطبقات متفاوتة ليكوِّنوا حشدا ضخما في مكان واحد ويتحركون في طريق واحد ونحو بغية واحدة في غالب المشاعر، ما يجعل المشهد أشبه بأزمة جديرة بإيجاد المخاوف من جهة الصحة والسلامة والأمن، بحيث إن وقوع أي حادثة من خلال هذه المحاور في ظل هذا التحاشد الضخم سيسبب كارثة يصعب التعامل معها والسيطرة عليها، وفي المقابل تتعامل المملكة العربية السعودية مع هذا الحدث باحترافية واهتمام بالغ لتجند كل إمكانيات الدولة وتجاربها السابقة والمتكررة والدراسات والأبحاث المستمرة في إدارة الحشود لخدمة الحجاج من كل مكان.
ليتبدل هذا المشهد المهيب بفضل الله ثم بفضل ما توليه قيادتنا الحكيمة من اهتمام بالغ إلى إنجاز عظيم من صنع أياد وطنية متمرسة، ليضرب أفراد الجهات المنظمة العاملون أروع الأمثلة في التفاني في خدمة الحجاج.
وفي ظل الدراسات والأبحاث والتطوير المستمر لتنظيم هذا الحدث وإدارة هذه الجموع باحترافية، يجد المختصون من مختلف الدول أن تجربة المملكة جديرة بالاهتمام والاستقصاء ليستفيدوا من هذه التجربة الرائدة في هذا المجال والتي لا يوجد لها نظير إطلاقا، تقول سلا يانويا الخبيرة في الأمم المتحدة من خلال كلمتها التي ألقتها في المؤتمر الدولي لطب الحشود «لا توجد دولة في العالم تدير وتنظم الحشود والتجمعات البشرية كما تفعل السعودية في موسم الحج، وبهذا المستوى، وبشكل سنوي»، بحيث يرى البعض أن السبب في الوصول إلى هذا المستوى وهذا الإنجاز العظيم هو وجود وتكرر موسم الحج، بحيث لا يوجد تجمع بهذا الحجم في مناطق أخرى، وهذا في الواقع غير صحيح، بل هناك تجمعات مختلفة في مختلف أنحاء العالم، وبحسب الإحصائيات فهي تفوق أعداد الحجاج أحيانا، مثل ما يحدث في موسكو، تشير الإحصائيات أن حفلا للغناء عام 1997 بلغ عدد الحضور 3 ملايين وخمسمائة ألف، وأيضا في البرازيل تشير الإحصائيات أن حفلا في ريودي جانيرو بلغ عدد الحضور 3 ملايين وخمسمائة ألف، وهذه الأعداد تفوق أعداد الحجاج لكن لم يتم التعامل معها ومعالجتها باحتراف ومهنية، ومن التجمعات أيضا ما يحدث في حضور المباريات النهائية لكأس العالم فقد استفادت أفريقيا الجنوبية خلال استضافتها لكأس العالم من التجربة السعودية.
فليست المسألة هي وجود الحشد فقط بل أيضا ما توليه الحكومة ممثلة في قيادتها وكل الجهات المشاركة من اهتمام وتطوير مستمر وتجنيد لأقصى الإمكانيات في سبيل تنظيم وإدارة حشود الحجاج من كل مكان.
وإيمانا من قيادتنا بأهمية تطوير وتوثيق ونقل هذه التجربة، فقد أنشأت عددا من المعاهد للبحوث والدراسات لخدمة هذا المجال، مثل معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة ـ أنشئ عام 1401هـ - والذي كان له جهود كبيرة في خدمة ودعم وتطوير إدارة وتنظيم حركة الحجاج، ومعهد إدارة الحشود الذي أنشئ قريبا، وأيضا ما تقيمه هذه المعاهد من مؤتمرات دورية تخدم هذا المجال، مثل ملتقى الابتكار في النقل وإدارة الحشود والذي استضاف المختصين من مختلف الدول وكان سببا في نقل هذه التجربة وتطويرها بحيث أُصدر من خلاله عدد من التطبيقات والتقنيات الحديثة التي تخدم هذا الحقل.
فلم تكن التجربة السعودية تجربة تنفيذية فقط بل هي تجربة علمية احترافية متجددة.