قد تبدو هذه الحروف لا معنى لها (Llanfairpwllgwyngyllgogerychwyrndrobwllllantysiliogogogoch)، وقد تتجاوز دون تهجئتها – كما فعلت أنا! – لكن في الحقيقة هذه الحروف اجتمعت معا لتشكل اسم قرية تقع شمال ويلز البريطانية (تخيّل كيف سيكون اسمها لو كانت مدينة أو مقاطعة؟)، المهم وكي لا تشعر بتأنيب الضمير على عدم قراءتك جيدا للاسم الطويل، فكثيرون غيرك حتى من أصحاب اللغة الأصلية لم يستطيعوا قراءته دون تلعثم، وهذا ما جعل مقدم النشرات الجوية البريطاني ليام دوتن يشتهر بكونه قرأ الاسم دون أي خطأ أو تلعثم، والقرية تم تسجيلها في موسوعة جينيس باعتبار أنها تتكون من 58 حرفا متشابكا لتشكل أطول اسم في بريطانيا.
تذكرت هذه القرية بعدما وصلتني رسالة على الجوال من إحدى الشركات تفيد بوصول طرد بريدي، وعندما هاتفت الشركة لأسأل عن موقعها أجابني الموظف العربي بأن الشركة تقع على تقاطع شارع عروة بن الزبير مع شارع عبادة بن الصامت، حاولت أن أعرف أكثر عن الموقع لكن الموظف اعتذر بلباقة حيث إنه جديد في المنطقة ولا يعرف غير هذا الاسم المدون في الأوراق، ولهذا لجأت لعدد من الأصدقاء، ولكن الإجابات كلها أتت في سياق التخمين، وفي إحدى المحاولات كانت نباهة أحد الأصدقاء مدهشة حيث إن الموقع قريب من منزلي جدا، وتحديدا (تقاطع شارع الجوازات مع شارع المطافي!) ..هكذا ببساطة، وهذا ما دعاني للتساؤل عن آلية اختيار أسماء الشوارع، خاصة عندما يكون اسم الشارع راسخا في ذاكرة ووجدان الناس منذ عشرات السنين، ثم فجأة يأتي من ينزع هذه الذاكرة ليستبدلها باسم جديد وبطريقة عشوائية.
أقول عشوائية لأنه لا يمكن أن تكون تسمية الطريق المؤدي لسوق الأغنام باسم صحابي جليل تسمية مقصودة، أو تسمية الطريق المؤدي لسوق الأغنام باسم صحابي آخر، ولا أدري منذ متى تقرر تسمية الشوارع بأسماء صحابة أو تابعين أو رموز إسلامية، رغم أنني أستغرب عدم معارضة المحتسبين لهذه التسميات في بدايتها قبل أن تكون مقبولة الآن، فلم أسمع أو أقرأ أنهم اعترضوا على التسميات خوفا من أن تتحول هذه الشوارع لمزارات يتبرك بها الناس، أم إن الأمر أخذ من مبدأ «أسلمة الشوارع» بعد أن كانت شوارع صايعة؟ وربما يتذكر جيل الطيبين أنه كان في أغلب مدن المملكة شوارع تسمى بـ(شارع الحب) – والعياذ بالله – قبل أن تتحول هذه الكلمة إلى خارم من خوارم المروءة، وتتحول أسماء الشوارع من ذاكرة تحمل تاريخ وعبق المكان إلى مجرد أسماء متشابهة يتم اختيارها عشوائيا من كتب التراث، وما ينطبق على الشوارع ينطبق على الأحياء، فمثلا كيف أستسيغ أن يكون (حي الزهرة) مناسبا لأحد أحياء المدينة الصحراوية، إلا إذا كانت التسمية ساخرة فذلك شيء آخر، لهذا أقول أعيدوا لنا شوارعنا التي نعرفها وتشبهنا، أو على الأقل (إن كان ولا بد) فاهتموا بهذه الشوارع لأجل الأسماء الجليلة التي أطلقتموها عليها!
أسلمة الشوارع أضاعت ذاكرتها!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
