ما الذي كنا نملكه في الطفولة، وما الذي كان لدينا وكنا نحرص عليه، وما الذي كان في حوزتنا من ألعاب وثياب وهدايا ونقود، بل ما هي الأمنيات التي كنا نتمناها، وما هي الطموحات التي كنا نتمنى أن نصل إليها..!
لم نكن نملك الكثير ولا نتمنى الشيء العظيم، غير أنا كنا نملك كنزا أصبح اليوم مفقودا ألا وهو السعادة، رغم قسوة الظروف وحزم التربية وضغط المجتمع؛ إلا أننا كنا نمتلئ سعادة، بل ربما لا نذكر شيئا غير أنا كنا سعداء.
لأنه لم يكن لدينا شيء نخشى أن نخسره، ولم تكن لدينا متطلبات لا نهنأ إلا باقتنائها، لقد كان لدينا القليل وهذا القليل ملأنا بالقناعة.
كل أمنياتنا لم تتجاوز أن ننجو من ضرب المدرسة، أو توبيخ الوالدة أو تسلط الإخوان؛ وكل طموحاتنا كانت أن نكبر لننجب الأبناء لنستشعر طعم الأمومة.
وصدق الحبيب عليه الصلاة والسلام حين قال (إني لا أخشى عليكم الفقر ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم، فتهلككم كما أهلكتهم).
حين حصلنا على كل شيء تنافسنا وتباغضنا وتفرقنا، فالفقر يجمع القلوب ويصفي النفوس ويرفع مبدأ التعاون ويضع للشهامة والنبل موضعا ذا قيمة.
حين امتلكنا الكثير فقدنا جمال الحياة وروعة البساطة وهدوء البال ونضج الفكر وحكمة العقول.
ها هو العيد أطل علينا كأي يوم آخر، لقد فقد هو أيضا بريقه وخصوصيته، وأصبح كئيبا يفتقد مذاقه الجميل الرائق.
ففي كل أيام العام نذهب إلى الأسواق، ونشتري جديد الملابس ونأكل الحلوى، ونهدي الهدايا ونكافئ أبناءنا على النجاح أو حتى على تنظيفهم لأسنانهم.
فلم يعد هناك معنى لكل ما نفعله؛ لكثرة ما نفعله، فكيف نأتي بميزة للعيد تشعرنا ببهجته ورونقه.
يأتي العيد ليعيد لنا ذكريات الماضي وبراءته، فقد كنا نتحرق شوقا لارتداء فستان العيد ؛ الذي نبقيه خارج الدولاب ليتسنى لنا رؤيته طوال الوقت.
كانت قلوبنا تكاد تقفز من مكانها لبعض الريالات التي سنحصل عليها من هنا وهناك، وقد نعجز عن تصديق كمية الحلوى التي بإمكاننا التهامها دون رقيب أو حسيب.
أما اليوم فهناك من يتعمد النوم صباح العيد، أو من يرتدي قميص النوم تعبيرا عن امتعاضهم لكآبة العيد، والتهنئة التي أصبحت ثقلا على الكثيرين لأنها تكلفك مالا للاستعراض والتفاخر، ما بين شامت أو حاسد أو مغتر.
لا أعمم؛ ولكن حتى من يتشاركون السكنى في عمارة واحدة؛ يثقل عليهم تهنئة جيرانهم أو استقبالهم، لأن هذا يحتاج لترتيبات هم في غنى عنها، فهذه الزيارات لم تعد تشعر الآخرين بالارتياح والقبول كما كانت سابقا.
أرجوك يا عيد عد إلينا كما كنت بسيطا مبتهجا بريئا، لا تريد إلا أن نرفرف محلقين بأجنحة السعادة.

