انتهت فترة تسجيل الناخبين والناخبات في الدورة الثالثة للانتخابات البلدية، وكان الاعتقاد السائد أنها ستشهد إقبالا كبيرا للتسجيل فيها؛ وذلك لثلاثة أسباب، السبب الأول: في هذه الفترة تمت إتاحة الفرصة للنساء بالانتخاب والترشيح، وهذا يعني إتاحة الفرصة لحوالي أربعة ملايين منتخبة جديدة (تقدير سكان المملكة في عام 2015م حوالي 21 مليونا و137 ألفا، نصفهم من النساء)، والسبب الثاني: تخفيض سن الحد الأدنى للناخب من 21 سنة إلى 18 سنة، وهذا يعني إضافة حوالي مليون ناخب جديد، والسبب الثالث: تعديل نظام المجالس البلدية، حيث نص النظام الجديد على ألا يكون الأمين أو رئيس البلدية رئيسا أو نائبا لرئيس المجلس البلدي، وتقرر زيادة عدد أعضاء المجالس البلدية، ورفع نسبة الأعضاء المنتخبين من النصف إلى الثلثين، وحق المجلس بالتصويت على ميزانية البلدية، ووجوه الصرف على المشاريع، وهذا التعديل الجديد في نظام المجلس يجعل للمجلس البلدي سلطة كبيرة مقارنة بسلطته في الدورتين السابقتين.
ومع توفر هذه الأسباب التي جعلت المحللين يتوقعون نسبة إقبال كبيرة في التسجيل إلا أن ما حصل خيب التوقعات، فقد جاء التسجيل هزيلا، فهذه الدورة هي أقل الدورات من حيث عدد المسجلين، وإن كان يظهر من تعداد المسجلين في هذه الدورة وهم 553 ألفا أنهم يزيدون على عدد المسجلين في الفترة الثانية وهم 457 ألفا، أي أن المسجلين في هذه الدورة يزيدون على الدورة السابقة بمائة وخمسين ألفا، لكن إذا قسنا عدد المسجلين إلى من يتاح لهم التسجيل من الناخبين الجدد نجد أن المسجلين في الدورة الثانية يتفوقون على المسجلين في هذه الدورة الثالثة بفارق كبير جدا، إذ إن المتاح لهم التسجيل في هذه الدورة من المنتخبين الجدد الذين لم يسبق لهم التسجيل من النساء وقطاع الشباب من سن 18إلى سن 21 في حدود 5 ملايين، أي أنهم يزيدون بعشرة أضعاف على المتاح لهم التسجيل في الدورة الماضية من المنتخبين الجدد آنذاك.
ومحصل هذا كله أن الذين سجلوا في هذه الدورة بالنسبة للمتاح لهم التسجيل أقل بكثير ممن سجلوا في الدورتين السابقتين، ومما يلحظ - أيضا - على التسجيل في هذه الدورة أن المسجلين في المدن الكبيرة يقلون كثيرا عن المسجلين في المدن الصغيرة، من حيث العدد أحيانا، ومن حيث النسبة أحيانا أخرى، فمن حيث العدد نجد أن محافظة جدة بتعداد سكانها الكبير (3 ملايين ونصف، منهم مليونان من السعوديين) جاءت في المرتبة الحادية عشرة من حيث عدد المسجلين، حيث بلغ عددهم (22897)، وقد تفوقت عليها مناطق أقل منها سكانا، كالمنطقة الشرقية، وحائل، والمدينة المنورة، والقصيم، وعسير، والحدود الشمالية، وحفر الباطن، وجيزان، وتبوك، فمثلا منطقة حائل بتعداد سكانها القليل (حوالي 650 ألفا) بلغ عدد المسجلين فيها 445590)، أي ضعف عدد مسجلي جدة تقريبا، ومنطقة الحدود الشمالية وعدد سكانها (350 ألفا) بلغ عدد المسجلين فيها (28810)، ومثل جدة مدينة مكة وتوابعها؛ إذ جاءت في آخر مرتبة من بين المناطق في عدد المسجلين، حيث بلغوا ( 11041)، وأما من حيث النسبة فقد تفوقت حائل على بقية مناطق المملكة بما فيها الرياض، حيث بلغ عدد المسجلين في منطقة الرياض (10010 ناخبين)، وهم قليلون جدا بالنسبة لعدد سكانها، ومن المناطق التي تفوقت على الرياض من حيث نسبة المسجلين إلى عدد السكان مناطق القصيم والحدود الشمالية وحفر الباطن وتبوك والجوف ونجران.
ومما يثير الدهشة في تسجيل الناخبات قلة النساء المسجلات في المنطقة الغربية مقارنة بمناطق أقل منها تحضرا، ففي محافظة جدة بلغ عدد النساء المسجلات 3408 مسجلات، وفي مكة وتوابعها بلغن 2402 مسجلة، وبالمقارنة بمناطق أقل تحضرا وأكثر محافظة نجد تلك المناطق تفوقت على منطقتي جدة ومكة، ففي منطقة الجوف بلغ عدد النساء المسجلات 8400 مسجلة، وفي منطقة القصيم 7786 مسجلة، ومحصل الإحصائيات هذه أن المسجلين رجالا ونساء في جدة ومكة أقل من غيرهم في بقية المناطق.
نختم المقال بالسؤال عن سبب تدني التسجيل في هذه الدورة مع توفر الأسباب التي كان يُظن أنها ستكون مغرية بالتسجيل؟ في اعتقادي أن السبب أمران، الأمر الأول: الشروط التي وضعت للتسجيل، وخاصة بالنسبة لمن يسكن في بيت مستأجر، حيث يلزمه إحضار صورة من عقد الإيجار مصدق من عمدة الحي، ومعه تصديق من الشرطة، وربما هذا ما يفسر جزئيا قلة التسجيل بالمدن الكبيرة نظرا لكثرة المستأجرين، وكان المفترض للتشجيع على التسجيل الاكتفاء بإثبات مدينة الولادة، وهذا متوفر في البطاقة الشخصية خاصة أن المدينة كلها ستكون دائرة واحدة في الانتخابات.
والأمر الثاني: الاعتقاد المترسخ لدى القطاع العريض من المواطنين بقلة جدوى عمل المجالس البلدية نظرا للتجربة التي مرت بها، وربما هذا ما يفسر جزئيا - أيضا - قلة المسجلين في المدن الكبيرة نساء ورجالا نظرا لزيادة الوعي بمفهوم الانتخاب والعمل البلدي، وأما بعض المناطق القاصية فالطابع القبلي كان له دور في الإقبال على التسجيل؛ لأن الفوز والتصدر مما يزيد من وجاهة المرء، وهذا اعتبار له حضور قوي في العرف القبلي.