هنا في مكة..في الحرم بين الركن والمقام، وبين الصفا والمروة، وزمزم والحطيم.
هنا في مكة من بعد عرفة والمشعر الحرام في منى، ترفع الأمة شعارها الأعظم في شعيرتها العظمى، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد.
إعلان تعج به مئات الملايين في بلاد الله من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، في صوت واحد عبر أثير إيماني تتجاوب أصداؤه، وتتناغم نبراته في أرض الله جميعا ترد الصوت لأهل مكة، إذ منها رفع الشعار كما أطل منها يوما نور الإيمان.
إنها فريضة فرضت ليذكر الله الذكر الأشد، وليعظم التعظيم الأوفى، وكل مكان فيها مرهون بذكر، وكل نسك مكلل بنبرة تلهج به سبحانه.
«فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين».
«ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم».
«فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا».
«واذكروا الله في أيام معدودات».
«ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام».
«ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام».
«والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف».
إنه التعظيم والعبودية والتذلل والإخبات، ذكر عند النفير، وذكر عند الإفاضة، وذكر عند قضاء النسك، وذكر على بهيمة الأنعام عند ذبحها.
أيام العج والثج، العج بالذكر الخالد المقدس، والثج بالفداء والدماء الحلال.
إن أعظم حكمة قام من أجلها الحج هي أن تتذلل النفوس لربها فتعلم أنه لا إله إلا الله، تنتفي الآلهة التي تعبد من دون الله ليست أصناما ولا أوثانا تعلم، وإنما آلهة من نوع آخر! آلهة معنوية تتخطف الناس من سبل الهدى، وطريق النور والحياة في ظل الله، وتهوي بهم في مكان سحيق.
عبودية لله شعارها أن الأمة واحدة بربها، متفرقة بأهوائها..متحدة بذكره ومناسك فريضته، متشتتة بالحيد عنه واتباع غير سبيله.
الشعيرة الكبرى في معانيها الوحدة والتقوى، والطهر والجمال، والتضحية والفرار من الأوطان إلى مكة، حيث المكان الذي تحط فيه النفوس رحالها، وترمي فيه أوزارها، لتبتلعها بحار الفضل الإلهي، وتذيبها أنوار الحق الرحماني.
إنه المشهد الملائكي في الحركة والسكون، وفي الطاعة والفعل، وفي كبح الإرادات بترك الرفث والفسوق والجدال، فهنا تقمع النفوس عن شهواتها، وهنا تكفر القلوب بأهوائها، ويبقى مجلجلا في الخواطر والضمائر وعلى الألسن:الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
فهنا ليس سوى الله يذكر، ولا سوى الله يشكر، ولا وجهة إلا إليه، فالحمد لله على الشعيرة والشعار.
الحج.. الشعيرة والشعار
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
