لم تكن التنظيمات الإدارية العامة التي قام بها الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- في بناء وتأسيس دولته المترامية الأطراف هي غاية ما يرمي إليه، بل أدرك ضرورة وأهمية بسط الأمن وتأليف القلوب أولا، فحول المجتمع من قبائل متناحرة إلى بوتقة يسودها الأمن والسلام، حيث جعل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة دستورا لدولته ومنهاجا لحكمه.
وقد كان أول أولوياته تأمين دروب الحجاج وبسط الأمن على ربوعها مما يستلزم تأمين الموانئ على البحر الأحمر والخليج العربي. وكذلك تأمين الطرق البرية للقوافل الآتية من بلاد الشام ومصر والمغرب العربي.. واستطاع القضاء على قراصنة البحر، وقطاع الطرق، وأن يضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه تهديد أمن الحجاج.. فبسط الأمن على كل أنحاء دولته.
ثم قام بإرساء قواعد وتنظيمات إدارية للحج للارتقاء بمهنة الطوافة في عام 1356هـ حمّل فيها أهل مكة المكرمة رعاية الحجاج والمعتمرين وتقديم الخدمات لهم. فأُنشئت مديرية للحج في عام 1374هـ ثم تطورت إلى وزارة في عهد ابنه الملك سعود.
كما اهتم -رحمه الله- بتوسعة المسجد الحرام لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الحجاج، فأمر بترميم الأروقة وطلاء الجدران وإصلاح مبنى زمزم وتبليط الصفا والمروة بالحجر. كما كان أول من أدخل المصابيح الكهربائية والمراوح في الحرم المكي.. وقد وجه بلاغا إلى العالم الإسلامي بذلك، وأنه إنما يفعل هذه التوسعة لعدم استيعاب الحرم للأعداد المتزايدة من المصلين. كما قام بتوسعة حرم المدينة المنورة عام 1365 هـ حيث لاحظ تصدع بعض العقود وتفتت الحجارة في الأعمدة.
ثم تولى من بعد رحيله ابنه الملك سعود - رحمه الله - أمور البلاد، واهتم بصورة خاصة بتوسعة الحرمين الشريفين وأصدر أوامره بترميم سطح الكعبة، ومتابعة توسعة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة في عام 1375هـ. كما تابع تنفيذ كافة الخطط للمشاريع لتحقيق رغبات والده لخدمة الإسلام والمسلمين، وقد أقام حفلا لتدشين المشاريع في عام 1377هـ دعا إليه ممثلين عن الدول الإسلامية.
وقد كلف الشيخ محمد بن لادن ليكون مسؤولا عن تنفيذ المشاريع. وصدر كتاب بعنوان: (الكعبة المعظمة والحرمان الشريفان..عمارة وتاريخا) حيث ضُمن مراحل بناء وتوسعة الحرمين الشريفين..
وحينما جاء الملك فيصل - رحمه الله - اهتم أيضا بتوسعة المسجد الحرام وأمر بترميم الكعبة وإزالة البناء القائم على مقام إبراهيم توسعة للطائفين ووضع المقام في غطاء بلوري، وكان ذلك في عام 1387هـ، كما شيد مصنعا لكسوة الكعبة في عام 1392هـ. كما اهتم بتوسعة المسجد النبوي لتزايد أعداد الحجاج والزائرين من كافة أقطار العالم الإسلامي وكان ذلك في عام 1395هـ حيث أضيفت مساحة 35000 م مربع للمسجد النبوي كما أضيفت مساحة 34000 م مربع بعد حريق سوق القماشة في الجهة الجنوبية الغربية للمسجد النبوي.
ثم قام الملك خالد رحمه الله - بإتمام ما تبقى من عمارة وتوسعة الحرمين الشريفين وشملت التوسعة المطاف ونقل المنبر والمكبرية وتوسيع قبو زمزم كما أمر بصنع باب للكعبة المشرفة عام 1399هـ.
وكانت التوسعة الكبرى في عهد الملك فهد -رحمه الله- حيث شملت تجهيز الساحات الخارجية، وإدخال نظام التكييف المركزي، وإدخال أنظمة إطفاء الحرائق وتصريف الأمطار وغيرها من الخدمات الأخرى… حيث بلغت طاقته الاستيعابية (600) ألف مُصلٍ تقريبا. كما تم بناء الخيام المطورة لحجاج بيت الله الحرام - حماية لأرواح الحجيج. كما أمر ببناء جسر للجمرات لزيادة الطاقة الاستيعابية أثناء رمي الجمرات.
وحينما جاء الملك عبدالله - رحمه الله - أمر بتوسعة الساحات الشمالية وتوسعة المسعى للتخفيف من الازدحام والتكدس للحجاج والمعتمرين وهو مشروع عملاق بلغت تكلفته نحو (2.958) مليار ريال ووافقت عليه هيئة كبار العلماء لما له من تسهيل لأمور المسلمين. مما ساهم في زيادة الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام في مواسم رمضان والحج.
أما إنجازاته – رحمه الله – الخاصة بالمواصلات وخدمات نقل الحجاج فمن أبرزها : تنفيذ مشروع قطار المشاعر المقدسة للنقل عبر (منى - عرفات – مزدلفة) وكذلك ربطه في مرحلة قادمة بالمسجد الحرام، وقد بلغت تكلفة المشروع (6.7) مليارات ريال وكذلك اعتماد مشروع قطار الحرمين الشريفين.
وبوصول خادم الحرمين الشريفين سلمان الحزم - حفظه الله - إلى دفة الحكم قام بمتابعة المشاريع التطويرية لخدمة الحرمين الشريفين، وفي مقدمتها توسعة المسجد الحرام حيث يُتوقَّع أن يصل استيعابه إلى مليوني مُصلٍ تقريبا في وقتٍ واحد، وكذلك توسعة الساحات الخارجية التي تضم دورات مياه وممرات وأنفاقا، ومحطات تكييف، ومحطات كهرباء، إلى جانب محطات المياه وغيرها.
وما زيارته إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة في مستهل حكمه الميمون إلا إشارة لمكانة هاتين المدينتين في نفسه، فقد قال تعالى: «ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب» (الحج الآية: 33).
كما أن قيامه بإنشاء كرسي الملك سلمان في كل من جامعة أم القرى بمكة المكرمة وفي جامعة طيبة بالمدينة المنورة يجسد سعيه الحثيث للارتقاء بهاتين المدينتين المقدستين علما وحضارة.
كما تم افتتاح مطار المدينة المنورة الدولي هذا العام، للتيسير على الحجاج وقاصدي المسجد النبوي الشريف من كافة الدول الإسلامية.
هذا فضلا عن الخدمات الأخرى التي تقدمها الدولة منذ تأسيسها لحجاج بيت الله الحرام للحفاظ على أمنهم وسلامتهم وراحتهم: مثل المهمات المرورية والأمنية والتي تشرف عليها وزارة الداخلية وإمارتا منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة، ناهيك عن الخدمات الصحية التي تقدم مجانا لجميع الحجاج بشقيها العلاجي والوقائي، والخدمات البلدية والمرافق العامة وصحة البيئة وصيانة الطرق والأنفاق، وكذلك خدمات الحجاج العامة التي تقوم بها وزارة الحج ومؤسسات الطوافة، من ساعة وصولهم إلى أرض الحرمين وحتى مغادرتهم إلى بلادهم.
كل ذلك تقوم به الدولة السعودية لاستشعارها لمسؤوليتها العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام.. فهنيئا للعالم الإسلامي هذه السلسلة من الخدمات التطويرية والتي تمثل عقدا من اللآلئ يُرصَّع به التاريخ الإسلامي في هذه الحقبة الفريدة.
خدمات الحج.. عقد اللؤلؤ للدولة السعودية
فاتن محمد حسين5 دقائق للقراءة

حجم الخط
