لوجود مجلس الشورى من الأهمية ما يمكن الإشارة إليه في طبيعة أعماله التشريعية والرقابية، حيث يشكل في الأولى سند الدولة وفي الثانية ظهر المجتمع، وهذا لا يتحقق ببساطة وبدون جهود موفقة، ولكي ترتقي الجهود إلى درجة الموفقة لا بد من وجود قدرات مميزة في كل منحى للتصدي للخلل بأي صفة يكون وأينما وجد في نطاق الاختصاص من البوابة الرقابية على أعمال الحكومة، وتقويم اعوجاج الأنظمة السارية وسن الأنظمة أينما كان الاعوجاج وكلما لزم الأمر على التوالي من البوابة التشريعية
على أية حال، الآمال الشعبية واسعة، ويمكن وصف مؤشرها بالمتذبذب في حاضر الأيام حيث يلحظ المراقب أن المجلس في دورته الحالية يزداد ارتباكا مع مرور الوقت إلى حد يمكن التقاط ملامحه بسهولة ولا أدل على وجود الارتباك من وقوع المجلس في أسر بعض تقارير الوزارات والهيئات الحكومية والتقارير السنوية التي تعدها الجهات الحكومية عن نفسها على خلفية العلم المسبق بخضوع التقارير لاحقا للتداول والمراجعة في دوائر المجلس كجهة رقابية ونقاشها بالتالي تحت قبته في يوم شاهر لا يمكن فيه قضاء الحوائج بالكتمان، لهذا وبناء عليه يكون من المتوقع أن تتخذ كل جهة ما يلزم من الاحتياطات لتمرير تقريرها السنوي بسلام، والمحتمل في هذا المسار أن تصاغ التقارير بلغة تميل إلى التعقيد مع تدعيمها ببيانات شائكة كان ومازال على المجلس التهيؤ والاستعداد لصدها بمهنية وتفكيكها باحترافية، لكن هذا لم يكن بارزا أمام ارتفاع نبرة صوت بعض الجهات الرسمية في وجه ملاحظات المجلس وقد حدث أن اهتزت شباك الشورى في مواجهة أمانة العاصمة المقدسة بنفس درجة الاهتزاز التي حدثت في مواجهة وزارة الإسكان ولربما أكثر مع وزارة العدل وأظن مثل هذا قد حدث مع رعاية الشباب
في العموم، صيغة ردود أفعال بعض الجهات نشطة في مقابل ركود المقاومة البرلمانية وإذا تعذر الأخـذ بذلك كمؤشر للدلالة على حال المجلس في الوقت الراهـن، فيمكن استعمال بعض الظن والاتجاه إلى تحليل المسألـة من زاوية تفسير الموقف بميل بعض الأعضاء إلى قفـل ملفات النقـاش لثقلهـا في الميزان

أو تفضيل تمرير التقارير بملاحظات تلامس الحـدود الدنيا من الرصد والتدقيق كاستراتيجيـة لترحيل الملف لجهة المنشـأ بالبصمة الروتينية، وهذا الأسلوب بالطبع يمدد المسـاحـة لمصدر التقرير لإدارة السجال على هامش ملاحظات (رقابيـة) تسمح بتعالي ردة الأفعال، والظنون قد تسحب الرأي العام إلى الشك في مجاملة بعض الأعضـاء لجهات غير المجلس إما بحكم العلاقة المهنية السابقـة أو خلافها، كل الاحتمالات واردة أمام طبيعة ردود الأفعال الجوابيـة والتي يمكن وصف بعضها بالمتغطرسة الرامية أحيانا إلى التشكيك في صحة معلومات المجلس وقدراته
هذا مؤلم أمام الفرص التي تشكلها تقارير الجهات الحكومية أصلا، حيث يمكـن استعمالها كنافذة ذهبية مفتوحة للبرلمان لمشاهدة الواقع عن قرب، ويفترض لتعظيم الفائدة أن يعتمد المجلس نماذج مصممة بذكاء يسمح بالقراءة عكس الاحتياطات للوقوف على واقع المصالح الحكومية من زوايا خاصة لا يحجبها التحوط ولا تنفع معها المراوغة
عموما، الجهات الحكومية الخاضعة لرقابة ومساءلة المجلس ليست على الدوام في دائرة الاتهام، في الغالب الأعم تسير في الطريق القويم إن شاء الله، ومجلس الشورى بحكم الدور والمسؤولية يملك حق الرقابة، وغير ملام في ما يتخذه من أساليب للمعاينة والفحص، غير أن الاضطلاع بمثل هذه المهمة يستدعي عمليات رصد استباقية دقيقة، متبوعة بتحليل شامل توازن به تقارير الجهات الرسمية مع (معطيات الاستقصاء البرلماني المبني على البراهين)
وعسى أن يستعين المجلس بمرئيات الهيئات الرقابية الأخرى لكشف سجل الجهة المعنية بالمناقشة، وهناك آليات عديدة يمكن الركون إليها في هذا الشأن ولا أظنها في حكم الغائب عن فطنة البرلمانيين
ماذا لو تزامن تقرير الجهة المقدم للمجلس مع تقرير رديف من جهة رقابية أخرى عن الجهة ذاتها لقياس مؤشر النزاهة وسلامة الأداء؟ أليس للمجلس صلاحية الاستعانة بمن يراه؟وفي الختام: المجتمع يجب أن يشعر بانعكاسات جدارة المجلس على كل القضايا الوطنية، والمتابع يتوق إلى نقاشات تعتمد شمولية الرصد ودقة التتبع
في كل الأحوال يجب أن يكون المجلس مرجعا لا ترقى معلوماته للشك أو التصحيح من أي جهة في مجال رقابته

وللحديث بقية نستعرضها في المقال المقبل