حط رحاله في مطار الملك عبدالعزيز بجدة متجها إلى مكة قاصدا بيت الله الحرام وهو ابن العشرين عاما، ليس بحوزته سوى بطاقة دون عليها اسمه ومهنته والجهة التي سيصبح جزءا من كادر العمل بها، كان وقتها حرا لا مسؤوليات، لا زوجة ولا حتى عائلة يأوي إليها، فقط أحلام وأمنيات أطلق لها العنان، وأفل كل ما كان يؤرقه في مسقط رأسه باكستان
اليوم تبدل حال «قمر بهادر»، إذ بات يدير أسرة صغيرة، تسكن بيتا ساترا لحالها اشتراه من مدخراته خلال عمله في الحرم المكي الشريف، حيث تترقب زوجته وأبناؤه الثلاثة عودته إليهم بعد مرور كل عامين من غيابه
«يا قمر سنبحث لك عن زوجة اسمها شمس» يتذكر هذه الجملة التي داعبه بها الشيخ عبدالرحمن السديس وهو يؤدي عمله في أوقاته الجميلة التي قضاها بساحات الحرم
ويروي الخمسيني بعض ذكرياته خلال 30 عاما، أمضى فيها حياته حاملا مكنسته يزيل بها مخلفات توسدت سجاد وأرضية بيت الله الحرام بمكة المكرمة، بينما كان يقوم في بعض الأوقات بتوزيع المصاحف والكتب والمنشورات تطوعا مع مكاتب الإرشاد والتوجيه داخل أروقة الحرم
يقول بهادر طوقتني أبواب مكة وأنا في بداية العشرينات من عمري بعقد عمل مع شركة «دلة» التي تعنى في ذلك الوقت بنظافة الحرم والقيام بكافة الخدمات فيه، مضيفا أن زملاءه القدامى سافروا جميعا، ولم يبق غيره، إضافة إلى أن له العديد من الأصدقاء الذين تشاطر معهم أيام الضيق والرخاء
ويذكر أنه جنى فائدة عظيمة من عمله في الحرم أولها وأعظمها راحة البال والاستقرار، كما أنه تمكن من شراء بيت يضم أسرته الصغيرة في باكستان، منوها إلى أن هناك بعض الموظفين الذين يدعون أنهم يعملون في الحرم لأجل كسب الثواب فقط ولا يهتمون بجمع المال، وهذا خطأ - حسب قوله - معللا ذلك بأن تقاضي الأجر في العمل لا يتعارض مع كسب الثواب، فكل حسب نيته وما يضمره في قلبه
وبالرغم من الرعاية التي يتلقاها قمر من جانب السكن الذي يقطن فيه بمجمع بن لادن بالرصيفة والمواصلات التي تقله من سكنه إلى الحرم والتي توفرها ذات الشركة، إلى جانب ما يلقاه من خدمات أخرى سهلت عليه ظروف الحياة القاسية، إلا أنه لا يهتم لنفسه كثيرا بل يحمل هم أبنائه الذين يحادثونه بين فترة وأخرى منتظرين قدومه إليهم رغم بعد المسافة وعدم إمكان سفره إلا مرة واحدة كل عامين
وتابع مستطردا أنه وبفضل من الله تمكن من تأمين سكن لأسرته وهذا ما خفف عليه كثيرا من الضغوط النفسية التي كان يعانيها حيث كانت أسرته تتنقل من منزل لآخر
ويعود بهادر وقد رسمت على ثغره ابتسامة ليعلق على مقولة الشيخ عبدالرحمن السديس له عندما كان يمازحه مقترحا عليه البحث عن زوجة اسمها شمس، حيث ظلت الفكرة ملازمة له رغبة منه في العثور على زوجة تشرق معها حياته، لافتا إلى أن من أهم وأطرف المواقف التي مر بها في الحرم هو موقفه مع رئيس شؤون الحرمين، فهو لم يستطع تجاوز هذا الموقف لتعلقه بذاكرته
وعن سؤاله فيما إذا كان ينوي الاستمرار في عمله أم سيذهب إلى بلده ليعيش بين أبنائه، جاء رده بأن هذا أصعب سؤال يمكن أن يجيب عليه، وفضل أن يترك الأمور بيد الله