وهم الدولتين: إسرائيل وفلسطين ـ
حكاية روايتين
الكاتب: بادريج أومالي
الناشر: فايكينج، 2015
تسببت الخلافات المستمرة حول قضايا المستوطنات، حق العودة للفلسطينيين، بروز حركة حماس، الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وقضايا عسيرة أخرى بشكل متكرر في إخراج مباحثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين عن مسارها.
الآن، في كتاب سيثير بالتأكيد كثيرا من الجدل، يقول داعية السلام المعروف بادريج أومالي: إن حل الدولتين لم يعد ممكنا وإنه يجب البحث عن حلول بديلة للصراع.
وبعد دراسة القضايا الخلافية الصعبة والتحدث إلى كثير من المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين، بالإضافة إلى النقاشات التي دارت بينه وبين مفاوضين من الطرفين بشكل مباشر من خلال جولات الحوار السابقة، يستنتج بادريج أومالي أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاقية تعتمد حل الدولتين، فإنه سيكون من شبه المستحيل تطبيقها على الأرض.
وحدد الأسباب كالآتي
- التكاليف الهائلة التي ستترتب عليها.
- عدم وجود موقف سياسي موحد بين الفلسطينيين.
- عدم قدرة اقتصاد الدولة الفلسطينية المفترضة على الحياة والاستمرار.
- التركيبة السكانية التي تتغير بسرعة وثبات.
- تحول المشهد السياسي في إسرائيل نحو اليمين بشكل مستمر.
- أثر ظاهرة الاحتباس الحراري على إمدادات المياه في المنطقة، وكثير من القضايا الأخرى.
في هذا الكتاب الذي يكشف كثيرا من الحقائق الصعبة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها، يناقش أومالي القضايا الرئيسية بشكل عملي دون أي تحيز أيديولوجي ليبين أن على المجتمع الدولي أن يجد إطارا جديدا من أجل المصالحة إذا كانت هناك نية حقيقية لتحقيق سلام دائم بين فلسطين وإسرائيل.
حل النزاع
لا شك أن كثيرا من المفكرين الغربيين لا يستطيعون مقاومة إغراء الدخول في متاهات الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وإبداء آرائهم المختلفة حول الحلول الممكنة.
لكن قليلا من هؤلاء المفكرين لديهم الخلفية الكافية والتجربة التي يمكن أن تعطيهم المصداقية في التعامل مع هذه القضية الشائكة مثل تلك التي يتمتع بها أومالي.
في كتاب «وهم الدولتين»، يقدم من واقع تجربته كداعية سلام شارك في كثير من المؤتمرات والمفاوضات المتعلقة بحل الصراعات الدولية، وجهة نظره بكل صراحة وواقعية حول آفاق إيجاد حل للصراع في الشرق الأوسط.
وهم الاتفاق
لعل موقف الكاتب الصادم في هذه القضية يبدأ من عنوان الكتاب نفسه الذي يبين أن حل الدولتين الذي يتحدث عنه الجميع هو في الحقيقة «وهم» لا يمكن تحقيقه وأن فكرة حل الدولتين لم تعد فكرة واقعية.
ربما يكون رأي الكاتب في هذه القضية، رغم مرارته وصعوبة الاعتراف به صادقا وحقيقيا، لأنه يتفق مع آراء كثير من المواطنين الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.
منذ انهيار محادثات السلام الفلسطينية ـ الإسرائيلية وأعمال العنف التي ترافقت مع الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى والثانية، بقيت فكرة حل الدولتين موجودة في الساحة الدولية، ليس لأن الفلسطينيين والإسرائيليين مقتنعون بأنها لا تزال ممكنة، ولكن بسبب الأسلوب الشيق الذي يتبعه الدبلوماسيون والصحفيون الغربيون في عرض هذه الفكرة على الرأي العام العالمي، يساعدهم في ذلك الدبلوماسيون الذين يحاولون الحفاظ على رضا الراعين الغربيين لمفاوضات السلام وضمان استمرار وصول مساعداتهم المالية.
وما تبقى من أمل ضعيف في إمكانية تطبيق حل الدولتين سحقته منذ سنوات قليلة الاضطرابات الكارثية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط أخيرا ـ الدمار في سوريا، الفوضى في العراق، تنظيم داعش في سيناء، مشكلات اليمن، وغير ذلك من آثار ما يسمى «الربيع العربي» الذي ضرب معظم دول المنطقة والتي تأثرت بها بشكل أو بآخر حتى الدول الأوروبية والغربية بشكل عام.
إدمان الصراع
يكرس أومالي معظم أجزاء كتابه لوصف الحالة النفسية لكل طرف من الأطراف وتقييم ادعاءات كل من الفلسطينيين والإسرائيليين حول القضايا الخلافية، ويشخص أومالي كلا الطرفين بأنهما «مدمنان» على الصراع.
الإسرائيليون مفرطون إلى درجة غير عادية في سعيهم من أجل الأمن، وهم يعانون أيضا من جنون العظمة ومن إحساسهم بأنهم شعب استثنائي وأنهم معرضون للخطر من كل جانب.
أما الفلسطينيون، فإنهم يعانون من الاضطهاد، لدرجة أن كثيرا من الأشخاص الذين التقى بهم في الضفة الغربية بدوا وكأنهم مستنزفون فكريا.
يقول أومالي: إن اضطراب توتر ما بعد الصدمة منتشر في كلا المجتمعين ومعه الاضطرابات الاجتماعية التي تولدها هذه الحالة.
غياب الدقة
مشكلة الكاتب، وهو أستاذ في جامعة بوسطن سبق له أن عمل في مبادرات تتعلق بحل الصراع في جنوب أفريقيا وبلده الأم أيرلندا، أنه يفتقر إلى معرفة وثيقة بالشرق الأوسط وسكان المنطقة لدرجة أن آراءه تعكس في بعض الأحيان استخفافا بكل من يعيش هناك، على عكس ما يلمح إليه أومالي في بعض أجزاء كتابه، الفلسطينيون لا يعانون من نقص عقلي ولا حتى الإسرائيليين.
هذا الأسلوب في التعامل مع القضية وأطراف النزاعلا يساعد في إيجاد تقدم في هذه القضية المعقدة ويجب بذل المزيد من الجهد لتحري الدقة في الطرح.
ويؤكد الكاتب على سبيل المثال أن الانتصار الساحق الذي حققته إسرائيل في حرب الأيام الستة في 1967 جاء نتيجة «المساعدة الأمريكية الضخمة» لإسرائيل، في حين لم تكن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل ضخمة قبل 1967.
كانت فرنسا في تلك الفترة هي المزود الرئيس للأسلحة لإسرائيل، وكانت الطائرات التي حققت الانتصار في تلك الحرب بشكل رئيس هي طائرات ميراج وميستير، كما يذكر أيضا أن أرئيل شارون كان وزير زراعة في الحكومة الإسرائيلية في 1971 وأن ذلك له علاقة مع إنشاء المستوطنات، لكن شارون لم يكن وزير الزراعة في تلك الفترة، بالإضافة إلى بعض المعلومات الأخرى هنا وهناك التي تفتقر إلى الدقة.
هوس الإسرائيليين
يبين أومالي أن هوس الإسرائيليين في التسلح والحفاظ على التفوق العسكري النوعي على دول الجوار ينبع من سببين رئيسيين:السبب الأول: هو أن المحرقة التي تعرض لها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية (الهولوكوست)، وتشكل نقطة حساسة في النفسية الجمعية اليهودية.
السبب الثاني: هو أن الإسرائيليين يعتقدون أن جيرانهم العرب مصممون على تدميرهم وطردهم من المنطقة بشكل كامل.
بعبارة أخرى، جزء من الممارسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط تعود أسبابها إلى ما يواجهه الإسرائيليون من مخاطر في المنطقة نفسها، وليس فقط بسبب المحرقة كما يعتقد البعض.
صورة واقعية
هناك مشكلة أخرى في كتاب «وهم الدولتين»، بما أن أومالي يعتقد أن حل الدولتين أصبح وهما لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع، وباعتباره يملك خبرة واسعة في مجال حل الصراعات الدولية، فما هو الحل البديل الممكن؟ موقف الكاتب من هذه القضية انفعالي ومفاجئ.
يقول أومالي: لماذا أكون وقحا لدرجة تجعلني أتجرأ على تقديم رؤية لأشخاص يرفضون تقديم رؤية لأنفسهم، ليس فقط للحاضر، ولكن للمستقبل أيضا؟ لشعب ليس لديه إيمان بالممكن؟ للذين هم أنفسهم يعتقدون أن الصراع سيستمر لأجيال قبل أن يتم حله؟ للذين يرضون بأن يعيشوا حقدهم؟ للذين يعارضون بشدة أدنى مؤشر لقبول الآخر؟هذا الموقف مفاجئ، لأنه لا يصدر عن طرف في النزاع ضد الطرف الآخر، لكنه يصدر عن شخص يفترض أنه يبحث عن عوامل مشتركة بين طرفي النزاع يستطيع البناء عليها لفتح طاقة أمل في نهاية النفق.
ولكن في نهاية المطاف، ورغم بعض النقاط السلبية هنا وهناك، يقدم الكتاب صورة واقعية لما وصل إليه الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ويطلق دعوة للبحث عن حلول منطقية أخرى بدل التركيز فقط على حل واحد يعتقد الكاتب أنه لم يعد قابلا للتطبيق.
- «البروفيسور بادريج أومالي أستاذ في الدراسات العالمية والسياسية في جامعة ماساتشوسيتس.كرس حياته العملية للمساعدة في حل الصراعات في أيرلندا الشمالية، جنوب أفريقيا، ومناطق أخرى في العالم وله كتابات عدة في هذا المجال وهو من أيرلندا، لكنه يعمل ويعيش في أمريكا».

