انتشر في واقعنا المعاصر كثرة المنامات وتزاحمت الاستفتاءات بشأنها، خصوصًا من النساء، حتى غدت الرؤيا مدار كثير من البرامج والأسئلة، وصاروا يعتمدون على مناماتهم أكثر من اعتمادهم على يقظتهم، وصارت الغيبيات أكثر تعلقًا من المشاهدات
والرؤيا الصادقة لها ثمرة، وحقيقة الرؤيا فيما ذكره ابن حجر حيث قال: وكل الله بالرؤيا ملكًا اطَّلع على أحوال ابن آدم من اللوح المحفوظ، فينسخ منها ويضرب لكل من قصته مثلًا، فإذا نام مثل تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والأولى قد تسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، ويريد إفساد أموره بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه، إما بتغليطه فيها، وإما بغفلته عنها
وقال ابن القيم رحمه الله في بيان حقيقة الرؤيا: إنها أمثال مضروبة يضربها الملك الذي قد وكله الله بالرؤيا ليستدل الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره ويُعبر منه على شبهه
والرؤيا هي التي تتضمن بشرى للعبد بخير يصيبه دنيا وأخرى أو إنذارًا أو تحذيرًا له من الوقوع في شيء قد يعرض له فهذا من لطف الله تعالى بعبده أن ينذره ويحذره قبل أن تعرض عليه هذه الأشياء لينتبه لها، وأمّا الحلم فهو أخلاط لا حقيقة لها بل مداره على الفزع والحزن وغير ذلك مما فيه ما يكرهه الإنسان
ويشرع في الرؤيا الصالحة أن يعلم بأنها من الله، وأن يحمد الله عليها، وأن يحدث بها من يحب، وألا يقصها إلا على ذي علم ورأي ولب وحكمة ونصح، وأما الرؤيا غير الصالحة فتسمى (حلم)، وهو الذي يفزع ويقلق، وينبغي لمن رأى حلمًا أن يستعيذ بالله من شره، والاستعاذة من الشيطان، وأن يبصق عن شماله، مع اليقين بأنها لا تضره بإذن الله، وعليه أن يتحول عن جنبه هذا إلى جنبه الآخر، ويقوم فيصلي، ويقرأ آية الكرسي، وألا يحدث بها أحدًا، والرؤيا فيها من المنافع ما الله به عليم وهي من جملة نعم الله على عباده من بشارات المؤمنين وتنبيه الغافلين وتذكرة المعرضين وإقامة الحجة على العائدين
وقد انتشر في زماننا كثير من المعبرين بلا علم ولا معرفة، وهذا من ضعف الوازع الديني، والغفلة عن الآخرة، وحب الشهرة والمال مع قلة العلم، ومن أراد أن تصدق رؤياه فليكن صادقًا في يقظته وأن ينام على وضوء لتكون رؤياه صالحة، والتزامه بالعفة، وألا يقصها على جاهل أو عدو، وأما المعبر فلا بد أن يكون عالمًا حاذقًا بعلم تأويل الرؤى، وألا يؤولها إلا بعلم وإدراك، وإذا قصت عليه الرؤيا أن يقول: خيرًا، أو يقول خيرًا تلقاه وشرًا تتوقاه، وأن يكتم عن الناس عوراتهم فلا ينشر خصوصيات الناس، وألا يعبر إلاّ بعد أن يتعرف ويميز كل جنس وما يليق به، وأن يكون فطنًا ذكيًا تقيًا نقيًا عالمًا بالكتاب والسنة ولغة العرب وأمثالها وعادات الناس وتقاليدهم، وأن نؤمن بأن الرؤيا ليست يقينية ولكنها ظنية، ولا يجوز أن تؤثر على شؤون ديننا ودنيانا إلا بالخير، وألا نكون رهينة بيد الرؤيا وكأنها غدت يقينية
وبهذه المناسبة أثمن قرار هيئة الإعلام المرئي والمسموع على منعها لبرامج تفسير الأحلام في وسائل الإعلام بناء على فتوى هيئة كبار العلماء وتوصية اللجنة الرسمية المشكلة لهذا الموضوع، لما في ذلك من تغرير بالناس وإفساد وتضليل للأفكار لاسيما ممن زعم معرفته بتفسير الرؤى وهو كاذب بغية الشهرة والمال، وقد قامت إحدى الصحف باستطلاع فأيد القرار 70% من المشاركين، ويمكن لمن يرغب بتفسير رؤياه أن يهاتف المفسر العالم العارف الصادق وبشكل ثنائي ودون استغلال للناس عبر الإعلام ونشر الفتنة بينهم وتربيتهم على الأوهام