إن من نعم الله على هذه الأمة أن جعل لها شهورا وأياما تتنزل فيها البركات وتتضاعف فيها الأجور والحسنات، ونحن في هذه الأيام المباركات ندلف إلى يوم عظيم، يوم يباهي الله بعباده المتقين الملائكة، فيقول كما جاء في الحديث: (انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم ير يوماً أكثر عتقاً من النار...) «رواه ابن خزيمة».
إنه يوم عرفة يوم الحج الأكبر وركنه الأعظم الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)»رواه أحمد». هذا اليوم المبارك الذي تهب فيه نفحات الرحمن وتتضاعف فيه الأجور ويعتق الله في هذا اليوم من عباده الطائعين له المقبلين عليه أضعافا مضاعفة من النار، وما رئي الشيطان في يوم أذل منه في يوم عرفة.
ولا تقتصر نفحات الرحمن على الحجيج فقط بل عم الفضل الجميع فقد جعل الله لعباده الذين لم يكتب الله لهم الحج أن يصوموا هذا اليوم وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى صيام هذا اليوم فقال عليه الصلاة والسلام: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)»رواه مسلم»، يا لله ما هذا الفضل العظيم! ويا لله ما هذا الخير الكبير! صيام يوم يكفر سنتين كاملتين! لا غرابة، إنه كرم الله الذي لا يعدله كرم، وفضله وجوده الذي لا حصر له ولا عد.
فعلينا أن نجتهد ونغتنم هذه الفرص لعل الله أن يعفو عنا ويغفر لنا ويتجاوز عنا، وهنيئا لمن حج وكتب في هذا العام من وفود الرحمن، فكم من أناس تمنوا أن يكونوا في هذه البقاع الطاهرة ولكن لم تكتب لهم هذه الأمنية ولسان حالهم يقول:
يا راحلين إلـى منـى بقيـادي
هيجتموا يوم الرحيـل فـؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي
الشوق أقلقني وصوت الحـادي.