في الواقع العربي اليوم يكثر وجود شعراء بلا إحساس، ومشاهير بلا سبب، ومطربين أصواتهم نشاز، وأدباء بلا أدب، ولمن يسأل كيف يكون هذا! فهذا مرده إلى «الفهلوة»! الفهلوة اليوم طريق سهل لمنصات الشعر والأدب والغناء، طريق مضمون لنيل نظرات إعجاب المعجبين وطلبات توقيعهم وربما يتطور الأمر بأحدهم لأن يتزوج بإحدى المعجبات، زواجا بلا حب، فإن كان أحدهما مرتبط مسبقا فليكن حبا بلا زواج، بمبدأ الصداقة التي ما عاد فيها صدق إنما تمضية وقت لا أكثر!الفهلوة مصطلح نشأ في الواقع العربي وتم اعتماده ثقافيا لأسباب عديدة منها التعليم والتربية والاقتصاد والحقوق .إلخ، إنها مصطلح يدل بوضوح على وجود أخطاء في كل اتجاه، فحين لا يصل صوت الشاعر مرهف الحس فطبيعي أن تأسرنا كلمات شاعر فهلوي يعرف كيف يدغدغ أسماعنا، حين لا نقدر أعمال الأديب الحقيقي فطبيعي أن نصفق لكل «قليل أدب»، حين نضحك على الطالب الجالس في الصف الأمامي فطبيعي أن نحترم كل طالب يجلس في الصف الأخير.
وفي هذا الجو الملبد بالفهلوة، طبيعي جدا أن يخرج علينا «أنصاف مثقفين وأرباع علماء»، مثقفون يلعبون في ملعب السطحية ويقفون على قراءة العناوين فقط، وعلماء يشبهون الـ»USB» حيث لا شيء إلا حفظ الكثير جدا بلا فائدة، يعتقدون أن العلم من الممكن أن يستحدث من العدم، أن يأتي هكذا بلا سابق إنذار من اللامكان، حينها لا حاجة لفهم الواقع ولا لإجراء تجارب أو تدوين ملاحظات، ومثقفون يؤمنون بأن المعرفة ستأتي حتما ولا بد عن طريق الشطح، والشطح هو تأمل فارغ في اللاشيء على أمل الظفر بشيء له قيمة!إن الجاهل ليس هو هذا الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، الجاهل ليس هو ذلك الجالس في خيمته في منتصف الصحراء، الجاهل هو هذا الذي درس وتعلم لسنين عديدة ثم وحين نال أعلى الشهادات قال: كفى!، كفى علما إلى هنا، فقد نلت الشهادة، وعينت في منصب مرموق، وبنيت لي بيتا ثم فتحت محلا يساعدني على التبذير والإسراف، كفى علما ومعرفة لهذا الحد! كفى قراءة، كفى بحثا، كفى سؤالا، وما الحاجة إلى السؤال وأنا موظف لم يتغيب يوما ولم يتأخر حتى عن موعد الحضور!إن هذا النوع من الجهل هو أسوأ أنواع الجهل، لأنه نوع يوهم صاحبه بالمعرفة والعلم، يوهمه بأنه مثقف له شأن، إنه نوع من الجهل يلقي في وجه المجتمع بالكثير من «أنصاف المثقفين وأرباع العلماء» أرباع علماء يكفرون بثلاثة أرباع العلم ويرمون كل من لا يشاركهم هذا الربع بأسوأ الشتائم، وأنصاف مثقفين يرون بالجهل كل من لا يشاركهم التواجد في النصف الفارغ من الثقافة! يا سادة إن الجاهل ليس متطرفا بالضرورة، غير أن المتطرف هو بالضرورة نصف مثقف أو ربع عالم، المتطرف بالضرورة يؤمن بأن الحق معه وليس عند الآخر إلا الباطل، وهذا ما يؤمن به أنصاف المثقفين وأرباع العلماء.