سبق الإسلام الأمم جميعا في تطبيق فكرة إنشاء منطقة آمنة عالمية يأمن فيها الجميع على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وأهليهم، يحرم فيها إزهاق الأنفس أيا كانت، حتى إن الدواب والحيوانات لتجد بغيتها من الأمن والأمان والاستقرار دون أن يتعرض لها أحد.
ففي الوقت الذي كانت تعصف بجزيرة العرب فتن وحروب وثارات، كانت قلة تعيش في حالة من الأمن والسلم ليس لها مثيل، ولم تزل مكانتها في النفوس رغم عبادة الأصنام والأوثان فيها إلى أن ظهرت الدعوة إلى الدين الإسلامي الحنيف، وبلغها رسولنا الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فزادت البيت تعظيما وتشريفا ومكانة وحرمة لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده، حتى إن صلاة واحدة فيها تعدل مئة ألف صلاة فيما سواها ما عدا المسجد النبوي الشريف بألف صلاة، والمسجد الأقصى بخمسمئة صلاة، وأضحت مكة قبلة المسلمين في أرجاء المعمورة كافة ومهوى أفئدتهم.
ولقد استودع الله نبينا إبراهيم عليه السلام زوجته وابنه في أرض مكة فما تركهم جل في علاه فأجرى لهم نبعا جاريا مباركا بواد غير ذي زرع، فكانوا لبنة الحياة فيها ثم بنى سيدنا إبراهيم عليه السلام البيت مع ابنه إسماعيل عليهما السلام؛ ليكون منارة التوحيد في الأرض، وبمكة ترتبط القلوب بمجدها الوثيق وتاريخها المجيد الذي بدأ منذ فجر البشرية، ففيها مبعث الأنبياء ومهوى قلوب الأولياء، هنا نزل آدم عليه السلام، وهنا سار إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهنا حج موسى ويونس ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وأبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، هنا تناثرت دموع التائبين، وتردد أنين الخاشعين، هنا تسكب العبرات وتقال العثرات وتمحى الزلات، هنا الكعبة وزمزم والركن والمقام والخيف ومنى وعرفات والمشعر الحرام، هنا نزلت «اقرأ» وما في القوم يومئذ من يقرأ من مكة، تنفس صبح الفضيلة وبزغ فجر الإيمان وأشرقت شمس التوحيد وانطلقت رحلة الدعوة المحمدية.
فسبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنا يترددون إليه ويرجعون عنه، ولا يرون أنهم قضوا منه وطرا لقد أضاف الله عز وجل هذا البيت لنفسه ونسبه إليه بقوله لخليله: «وطهر بيتي للطائفين»، فتعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت حنوا، وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا، وسبحان من بلغهم نداء أبيهم إبراهيم عليه السلام حين امتثل أمر خالقه ومولاه: «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر...».
وها هي أيام عشر ذي الحجة قاربت على الانتهاء وقد اجتمع فيها شرف الزمان وشرف المكان، وقد أقسم الله بهن في كتابه العزيز فقال تعالى: «والفجر وليال عشر»، وربنا جل وعلا عظيم لا يقسم إلا بعظيم من مخلوقاته، وهي أفضل أيام الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل أيام الدنيا أيام العشر»، وقال أيضا: «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير»، وقال ابن حجر رحمه الله: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة إمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره ولقد جمعت هذه العشر أياما غرا فاضلة، ففيها تكون أعمال الحج، وبها يوم التروية، وفيها يوم عرفة، ويوم النحر يوم الحج الأكبر، وفيها يكون الهدي والأضحية، ومن أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه جل وعلا في هذه الأيام الإتيان بالفرائض على تمامها وفي أوقاتها، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».
وقد حظيت هذه المدينة المقدسة المباركة في هذا العهد السعودي الزاهر بجل رعايتها واهتمامها وقد شاهد الجميع ثلاث توسعات سعودية ضخمة لبيت الله الحرام وكذلك الأمر بالنسبة للمشاعر المقدسة جعل الله ذلك في موازين حسنات ولاة أمرنا حفظهم الله وتقبل الله من الحجيج حجهم ومكنهم من أداء مناسكهم بيسر وسهولة ونسأل الله أن يمن عليهم بالعودة إلى أوطانهم سالمين غانمين. إنه ولي ذلك والقادر عليه.
مكة وما أدراك ما مكة
محمد العقلا4 دقائق للقراءة

حجم الخط
