لم يتوقع الشيخ عبدالرحمن النصار أن يكون سؤال فضولي سببا في عودة شاب سعودي من ميدان المعارك السورية، ويخلصه من براثن تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، الذي كاد يودي بحياته
ويروي النصار في تغريدات على حسابه في تويتر، حكاية وصفها بأنها «غريبة» عن شاب سعودي يقاتل في صفوف «داعش» في حلب
ويقول: راسلني أحد أقاربه قائلا: أرجوك انصحه عبر معرفه في تويتر ليعود إلى أهله
أمه تبكي دما عليه وهو وحيدها وله طفلتان
تواصلت معه فقال لي: أنا مع داعش وقد أقتل في أي وقت بسبب إنكاري عليهم تهاونهم بدماء المسلمين، وأريدك أن تدلني على فصيل التحق به
فقلت له: لا تنكر عليهم، انكر بقلبك حتى تتركهم، ولكن هل يمكنني أن أتطفل عليك بسؤال شخصي؟ فأجاب: خذ راحتك
فسألته: هل أمك راضية عنك؟، فأجاب: لا، بل هي رافضة لذهابي
فقلت له: إذن ارجع إليها
وبالفعل ذهب إلى تركيا ومنها عاد إلى أمه في السعودية
"داعش" والجوازات
من جانبه، يعلن الشيخ مهنا المهنا أن «داعش» تحتجز جوازات سفر بعض السعوديين حتى لا يفكروا في الانشقاق عنها خصوصا أن الانشقاقات عن هذا التنظيم كبيرة
ويؤكد المهنا عبر حسابه في تويتر أن الشباب السعوديين بدؤوا في العودة إلى الوطن بعدما عرفوا مخططات قائد «داعش» البغدادي ومرجعيته
جرم مدروس
ويؤكد خبراء أن الجماعات القتالية في سوريا مخترقة وتعمل على استقطاب شباب سعوديين إلى الانغماس في الصراع الدائر هناك، بغية استخدامهم كوسائل لتنفيذ جرم مدروس مخطط له تحت مظلة «الجهاد»، عبر عمليات تفجير وتفخيخ، أو ضرب الذين غرر بهم من السعوديين بعضهم بعضا ضمن فصائل وجماعات لخدمة أجندة قوى دولية أحكمت قبضتها على مفاصل الواقع السوري وبوصلة الحدث
ولا يخفى على مراقب هذه الجماعات، واقع تغريرها واستهدافها للشباب السعودي كما فعلت في العراق، حيث بيعت دماء سعوديين بثمن بخس، بتكتيك مخابراتي ممنهج
مخالفة شرعية
ويوضح مستشار وزير الشؤون الإسلامية، المدير العام للتوعية العلمية والفكرية، عضو لجان المناصحة الدكتور ماجد المرسال لـ»مكة»، أن أغلب الشباب الذين يذهبون إلى سوريا تتلقاهم فصائل مغالية تتبنى التكفير والغلو وتحرض الشباب على أوطانهم وعلى علمائهم وولاة أمرهم، وهو أمر ملاحظ من خلال إصدارات تلك الفصائل على موقع اليوتيوب ووسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن الذهاب والانضمام إلى جماعات مخترقة كـ»داعش» أو غيرها، مخالف للأحكام الشرعية التي تنيط موضوع الجهاد بولي الأمر
وأشار إلى أن المشاركة في الشأن السوري هي في الحقيقة موضوع سياسي له أبعاد دولية وإقليمية من جانب، وما تتعلق بالوضع السوري نفسه بين القبائل والمذاهب والتيارات والعرقيات من جانب آخر، وهذه الأمور تحتاج إلى بعد سياسي يمكن أن يحقق الثمرة المرجوة من هذا العمل
جماعات مخترقة
وذكر المرسال أن هذه الجماعات مخترقة من قوى دولية وإقليمية، وحتى من قبل النظام السوري نفسه، ويسهل توجيهها ويدخل عن طريقها إفساد شباب الأمة وإطالة أزمة الشعب السوري، مبينا أن تلك الجماعات فرقت الصف وأضعفت القوة ومكنت من الاختراق، وهذا واضح لمن يتتبع عمل هذه الجماعات المتطرفة، لأنها لا تخدم المصالح الإسلامية العليا إنما تخدم الأعداء، وكثير من الشباب لا يدرك حقيقة هذه الجماعات
وقال: لو لم تكن هذه الجماعات بهذا الانشقاق والغلو، لجمعت الكلمة في مواجهة النظام السوري
وأوضح أن الوضع السوري ينقسم إلى قسمين: قسم يتعلق بالشعب السوري في نيل حقوقه وحريته وانعتاقه من هذا النظام الظالم، وهذا حق تكفله الشرائع السماوية والقوانين الدولية، والكلمة الأخيرة فيه لأهل الحل والعقد في مجموع الشعب السوري على مختلف أطيافه
وقسم يتعلق بمناصرة هذا الشعب من قبل الدول الأخرى وينبغي أن تكون المناصرة حقيقية، ولصالح هذا الشعب دون الإضرار به، وألا تستدرج وتجر مشكلة الشعب السوري إلى بلدان أخرى، إضافة إلى توظيف قضية هذا الشعب في قضايا أخرى يورط فيها الشباب
وأوضح المرسال أن مشاركة الشباب في هذه الجبهات وتواردهم عليها من جهات مختلفة إنما يحقق مصلحة العدو والنظام، ولا يحقق مصلحة الشعب خصوصا أننا نسمع من قيادات مختلفة أن الشعب السوري ليس في حاجة إلى رجال، إنما هم بحاجة إلى مواقف سياسية ودعم مالي وسلاح نوعي، وهذه الأمور لا تستطيع توفيرها إلا جهات كبرى ودول إسلامية.
نظام مكافحة الإرهاب: الإصلاح لا العقاب
أكد عضو هيئة التدريس بكلية الملك خالد العسكرية، المتخصص بتحليل التنظيمات الإرهابية، عبد الله بن عبد الرحمن الهذلول، أن الأمر الملكي الصادر بتجريم المشاركة في الأعمال القتالية خارج المملكة، جاء تأكيداً لما هو مبنيٌ ومبينٌ سلفًا في الأنظمة السابقة، كالنظام الأساسي للحكم، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام مكافحة الإرهاب وتمويله
وقال: مِنْ المعلوم أنَّ الأنظمة والقوانين تقوم على الحماية القَبلية السابقة لوقوع الجرم، والمعالجة البعدية التالية للوقوع فيه
والأنظمة المتعلقة بالإرهاب قد راعت هذا، ففي نظام مكافحة الإرهاب وتمويله عدة مواد تؤكد أنَّ الهدف من هذه الأنظمة والأوامر هو الإصلاح والتقويم، وليس العقاب والتسلط
وأوضح أن الأمر الملكي أشار في طليعته إلى جملة من المواد الواردة في النظام الأساسي للحكم تؤكدُ أنَّ الغاية منه هي الحماية والوقاية، إذ أشار إلى المادة الحادية عشرة التي تنص على الاعتصام بحبل الله، والتعاون على البر والتقوى، والتكافل، وعدم التفرق
كما تنص المادة الثانية عشرة من النظام الأساسي للحكم والمشار إليها في الأمر الملكي على أنَّ «تعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدي للفرقة والفتنة والانقسام».
شعارات باطنها استخباراتي
أوضح مستشار وزير الشؤون الإسلامية والمدير العام للتوعية العلمية والفكرية عضو لجان المناصحة، الدكتور ماجد المرسال، أن الشعارات التي ترفع هنا وهناك قد يكون ظاهرها دينيا وباطنها استخباراتيا، وللأسف يكون ضحيتها كثيرا من شبابنا وصغار السن وضعيفي التجربة في هذه الموضوعات الحساسة والمعقدة
وأكد أن فكر القتال والغلو الحاصل بين الجماعات في سوريا موجود من زمن الصحابة رضي الله عنهم، وهذا فكر معروف تتبناه «داعش» والجماعات التي توسم بالتكفير في جميع أنحاء العالم الإسلامي وتوظفه سياسيا، مشيرا إلى أنه علينا أن نواجه مثل هذه الأفكار مواجهة صريحة وصارمة، إضافة إلى أن نبين أن الجهاد الحقيقي يوجه للأعداء الحقيقيين الذين قاتلهم النبي ولم يكن موجها ضد الصف الإسلامي
وبين أنه مقابل هذا لا ينافي أن يكون هناك تعاطف مع القضية السورية ومناصرتها من خلال القنوات الصحيحة المشروعة بالدعم المالي والجهات الرسمية التي تغيث الملهوفين، إضافة إلى تبني القضية من خلال الجانب الإعلامي في التوعية الصحيحة التي تبرز المظالم التي تقع على الشعب السوري دون الوقوع في تحريض الشباب
وطالب بإيجاد واقع سياسي جديد في سوريا يحقق الأمن والاستقرار، ويعيد هؤلاء المشردين إلى بيوتهم ويضمد جراحهم، داعيا العلماء والمشايخ والكتاب والمثقفين إلى تحمل مسؤوليتهم في توعية هؤلاء الشباب، خصوصا أننا تضررنا كثيرا على مستوى الأسر والمجتمع من ذهاب الشباب إلى هذه الأماكن.
توظيف السعوديين قياديين فلسفة ذكية
قال الخبير في مجال الإرهاب، المتخصص في الجماعات المتطرفة، الدكتور منصور الشمري إن هناك جماعات «جهادية» توظف سعوديين في مناصب قيادية فيها، ليس لأنهم أبطال، بل لاستهداف السعودية لاحقاً
وقال: الجماعات الجهادية تقوم على عمل فلسفي ذكي جداً تتم ترجمة بعض أجزائه بتوظيف الشباب السعودي بأعمال قيادية من أجل إضفاء صبغة شرعية على التخطيط للجماعات، والقيام بأعمال متطرفة مستقبلا تستهدف البلاد التي جاؤوا منها
وأوضح الشمري أن العلاقة بين داعش وتنظيم القاعدة المركزي في باكستان، متقاربة ظرفياً، ويظهر ذلك في التضاريس البرية، وسوء الأحوال الاقتصادية، والانقسامات القبلية، مضيفاً أن المتخصصين في الحركات الإسلامية أكدوا أن القاعدة بدأت في الانتقال من باكستان تحديداً إلى الشرق الأوسط
ولفت إلى ما أشارت إليه صحف غربية نقلاً عن متخصصين في الحركات الإرهابية، عن أن معظم المقاتلين لم يعودوا في باكستان.
.. وإيران تدافع عن داعش
أكد الخبير في مجال الإرهاب، المتخصص في الجماعات المتطرفة، الدكتور منصور الشمري، أن العلاقة التي تحظى بها «داعش» في الصحافة الإيرانية تتسم بنوع من الدفاع غير المباشر، كالتعبير بأن «داعش ما هي إلا كبش فداء لمجموعات إرهابية أخرى»، أو ذكرها بمعرض تقليل شأن دورها مقارنة بغيرها
وقال الشمري في تصريح لـ»مكة»: لا غرابة أن يجد المتابع اسم السعودية ملصوقاً بين الأسطر كعملية إسقاط احترافية تُحاكي إسقاطات المستشرقين على الدين الإسلامي، أو كتصريح مباشر من قبل الإعلام الإيراني للإثارة الإعلامية التقليدية، ولمغازلة طائفة دينية معينة عندما تجلد بسياط الكلمات طائفة أخرى
وأضاف: عندما نقول «داعش» فإننا نتحدث حتماً عن قطع الرؤوس واللعب بها والخطف، ونتحدث أيضاً بالتأكيد عن الاسم الذي لا تمنعه الحدود من أن تجده في العراق والشام حتى تدخّل الظواهري ليثبت وجوده، ومذكّراً بالبيعة التي ذهبت أدراج الرياح، ليقول: تُلغى دولة العراق والشام الإسلامية، ويستمر العمل باسم دولة العراق الإسلامية»
وكشف الشمري عن أن الإعلام الإيراني يحاول التعويم بالحديث عن»جبهة النصرة» و»الجماعة الإسلامية»والتكهن بوجود تنظيم للقاعدة مركّب من فلول منهزمة، لكنه لا يتحدث عن تصدير الإرهاب للعراق والشام عبر داعش، الذي ألمح إليه رئيس الائتلاف الوطني السوري السيد أحمد الجربا بأن لديهم أجندة خاصة يعملون على أساسها، مشيراً إلى أن داعش تحاول الدخول إلى الأردن كما اخترقت العراق وسوريا ولبنان.

