نحيا الآن في عصر الذرة، أو عصر «الشيء الصغير»، كما يحلو للبعض تسميته
والذرة ليست أصغر الجسيمات، فهي تتكون من جسيمات أصغر كالبروتونات والنيوترونات والإليكترونات، وهي جميعها تتكون بدورها من جسيمات أصغر تعرف بالكواركات
وعلى الرغم من هذا فإن أصغر شيء نراه بأعيننا هو «النقطة»، مثل هذه النقطة بين القوسين (
)، وهي نقطة ضعفي الوحيدة، فلا تضغط عليها يا عزيزي القارئ من فضلك، واستمر في قراءة المقال كأنك لم تر شيئاً
وعلى الرغم من صغر النقطة -أي نقطة- فهي ليست مجرد نقطة! فأي شكل يتكون من خطوط، والنقطة أصل كل خط، وبالتالي فالنقطة أصل كل شكل
وكلنا نرجو أن ندخل الحياة ونخرج منها دون وضع «نقطة سوداء» في سجلاتنا، وإن حدث فإننا نتمنى ألا نكون قد وصلنا لـ»نقطة النهاية» أو «نقطة اللاعودة»، لكي نرجع مرة أخرى لـ»نقطة الصفر» باحثين عن «نقطة البداية»، لنعبر منها إلى «نقطة الانطلاق» لحياة أخرى و»نقطة وصول» جديدة
والنقاط كثيرة لا حصر لها، ففي علم الهندسة الفراغية «النقطة الفراغية» هي نقطة موجودة لكن بدون مساحة أو حجم أو أبعاد! وفي علم الديناميكا الحرارية «النقطة الثلاثية» هي نقطة تواجد نفس المادة كغاز وسائل وصلب معاً! وفي علم السياسة «النقطة الشللية» هي نقطة تصيب البشر فتجبرهم على التحرك بكرسي ذي عجل!وفي حياتنا أمور كثيرة نختزلها في نقاط، فقسم الشرطة نسميه في مصر «النقطة»، والتنافس الرياضي أصله «النقطة»، ومكان الحرب هو مجرد «نقطة ساخنة»، أما في المناقشات فدائماً توجد «نقطة خلاف» أو «نقطة اتفاق»، أو «نقطة وسط» بينهما
وصحيح أن النقطة وحدها قد تكون مجرد صفر لا قيمة له، لكن «أصفارا قليلة تحل مشاكل كثيرة»، وست نقاط على اليمين تحوّل الإنسان من فقير على باب الله إلى مليونير على باب البورصة
وكثيراً ما تحولت «نقطة نفط» إلى «نقطة فاصلة» وأشعلت «نقطة حدود»، لكن تبقى أغلى نقطة هي «نقطة المياه» ومن أجلها قد تراق «نقطة الدم»، أما أسوأ نقطة فهي «النقطة العمياء» التي قد تتسبب في الكثير من الكوارث
ودلالات النقاط تختلف من مكان لمكان؛ فالمطر في شوارع مدينة القاهرة يسميه أهل مدينتي الإسكندرية «تنقيط» (نزول أمطار قليلة على المدينة)، والتحية في أفراح الإسكندرية يسميها أهل القاهرة «تنقيط» (نزول أموال كثيرة على الراقصة)
والنقاط الصغيرة يمكنها أيضاً تغيير المعاني، فنقطة واحدة تفرق بين «الحب» وما يثيره من سعادة وبين «الجب» وما يوحي به من وحشة
ونقطتان تفرقان بين «الغباء» وهو مرض عضال و»الغثاء» وهو من أعراض الغباء! وثلاث نقاط تفرق بين»السجون»وما تسببه من»الشجون»
فلا تستهينوا بالنقطة لأنها بداية كل شيء، وأنظمة العالم الثالث جميعها تخاف من مجرد «نقطة حبر»
ولأنني أخشى أن يقول لي أحد القراء الأعزاء «نقّطنا بسكاتك»، لذلك سأضع «نقطة» ومن أول السطر!
نقطة ضعفي الوحيدة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
