انتهت إجازة الربيع التي حملت في نسماتها عبق الماضي من خلال مهرجانات تاريخية في حجازنا المبارك، حيث انطلق مهرجان «كنا كدا» في مدينة جدة أم الرخا والشدة، والذي احتضنته منطقة جدة القديمة واستعرض العديد من عادات الحجاز في الماضي، وفنونه وثقافته وحرفه اليدوية والأطعمة والأشربة الشعبية ومعارض الصور القديمة والمتاحف الأثرية ولعب الأجيال الماضية، وصورهم وأشعارهم وأهازيجهم
وأما العاصمة المقدسة فأطلقت أمانتها مهرجان «الحارة المكية» الذي كان على الرغم من تواضع موارده ساحة لتلاحم وتكاتف المجتمع المكي من أجل خلق فرصة ترفيهية تناسب الأجيال الناشئة في مدينة لم تلق حقها من الأماكن الترفيهية
فعلى الرغم من أن المهرجان المكي لم يكن كنظيره الجداوي في منطقة تاريخية أو حتى في بناء حقيقي ولم يجد مكانا يبدأ فيه سوى حجز السيارات للقادمين من جدة وعلى الرغم من ضيق المساحة وصغرها، إلا أن الجهود التي بذلت فيه أكبر بكثير من تلك المساحة، بل وأن الإقبال عليه جعل الكثير من مشاهديه يراقبون فعالياته من خلف الأسوار ووراء الشبوك، وبعد أن امتلأت المراكيز بالأسر والأهالي، افترش بقيتهم الأرض التي ربتهم وربت أجدادهم ليشاهدوا مسابقات الأطفال والمجسات الحجازية الأصيلة وأهازيج المزمار وأعينهم وعدسات هواتفهم تحاول أن تخلد هذا الربيع التاريخي الذي يشهدونه
في الحقيقة لا أجد فكرة أفضل من هذه الأفكار التي ترعى الأجيال الناشئة وتشعرها بجمال تراثها الذي اعتنقته الأرض التي هبط فيها الوحي، وتأثر بالإسلام وبضيوف بيت الله الذين قدموا لأداء عبادتهم، وتخالطت العادات عربيها وأعجميها في إطار إسلامي فريد ومميز، وتواد وتراحم قلما نشاهده، ومحاولة لتصحيح النظرة المجحفة للعادات الحجازية بأنها صورة أخرى من عادات العرب قبل الإسلام، وجسر تواصل بين مناطق المملكة للتعارف على مختلف العادات والثقافات والفنون الشعبية
وإني مبتهج أيما ابتهاج بهذه البداية المتواضعة، وأتطلع للمزيد من القائمين على هذه المهرجانات الثقافية كلل الله جهودهم بما يحب ويرضى، وأناشد أمير مكة المكرمة صاحب السمو الملكي/ الأمير مشعل بن عبدالله حفظه الله أن يدعم هذه المهرجانات بيده البيضاء، وأتمنى من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان حفظه الله رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار أن يرعى مهرجان مكة ويقدم له تجديدا كالذي قدمه لمهرجان جدة، وأن يمنحه منطقة تاريخية يقام عليه
إني أنتظر بشوق الربيع القادم، وأنتظر من المنظمين أن يتلافوا الأخطاء التي وقعت هذا العام، وأن يوجدوا حلولا للمشكلات التي واجهتهم، وأن يضعوا أهدافاَ جديدة للمهرجانات القادمة كإدخال بعض الأحداث التاريخية والتحدث عن المواقع الأثرية لربط الحاضرين بمدينتهم وزيادة مساحة الأسر المنتجة وجعلها أكثر صلة ومناسبة مع فعاليات المهرجان، وتحسين الخدمات العامة في المنطقة كمرافق المياه وأماكن الصلاة ومواقف السيارات والنظافة الدورية وزيادة أماكن الجلوس وتوسعة مساحة المهرجان وتسهيل حركة التنقل فيه، وزيادة اللوحات الإرشادية وزيادة حضور سيارات الإسعاف والدفاع المدني، ولا يمنع من حضور الكشافة والجوالة لتقديم الخدمات الإرشادية ومراقبة الأطفال التائهين ومساعدة كبار السن وتنظيم حركة الحشود وغيرها من الخدمات
كما أنتظركم أصدقائي القرّاء سواء كنتم من داخل الحجاز أو خارجه أن تزورونا في هذه المهرجانات التراثية والثقافية، وأن تبادروا بالقيام بمهرجانكم الخاص الذي يعكس موروثكم الثقافي والشعبي، لنتبادل ألوان الثقافات المتعددة في هذا الوطن، وأدعو رجال الأعمال أن يبادروا بصناعة مشاريع مبنية على هذا التراث العريق، وأن يقدموا مزيدا من الدعم لمعارض الأسر المنتجة، وما المانع أن تنتشر هذه الأزياء والثقافات الشعبية من جديد أو أن تكون الزي الرسمي للباعة في المحلات التجارية في الأنشطة التي لا يعوقها الزي الشعبي؟شكراً لكل مسؤول أشرف على هذه المهرجانات واقترحها ودعمها وعمل من أجلها حتى وصلت إلينا بهذه الصورة، وأثق أن كرمهم لن يتوقف عند هذا الحد، ولن ينقطع عنا في السنوات القادمة وسيغطي تطلعاتنا التي تنمو كل سنة، وسيتفادى كل خطأ حدث أو قد يحدث
ربيع حجازي ومهرجانات تاريخية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
