بعد أن كان للنجاح بهجة وفرحة خاصة تتباين في طرق الاحتفاء والتباهي به، وفي ظل تراخي النظام التعليمي فقد النجاح بل العملية التعليمية ككل الكثير من وهجها وجوهرها، حيث أصبحت المدارس تتهافت على إنجاح جميع منسوبيها منتظمين ومنتسبين، لتوصل نسب النجاح لديها إلى 100 %، في حين يتولى قياس مشكورًا مهمة تجلية الحقيقة وتمحيص النجاحات الفعلية من الهبات الجماعية، فآل بنا الحال إلى نجاح جماعي يحظى بفرحة باردة باهتة خاوية من معالم الفرح الحقيقي الذي كان قبيل فترة وجيزة يصل إلى إعلانه بالطلقات النارية كإحدى علامات الفرح باجتياز المرحلة الثانوية
أما الآن فما إن يتخرج الطلاب ويتفاخر أهلوهم بقبوله في إحدى الجامعات -الذي أصبح ممكنا في ظل ازدياد الجامعات ومقاعدها- حتى يعاودون سريعاً التباكي وإنفاق اللوم بإسراف على تربيتهم وحظهم وابنهم، وعند إمعان النظر ومحاولة البحث عن الخلل الذي جعل العتبات الجامعية أعلى من اتساع خطوات الأبناء تتوجه الرؤى بنظرة مستقيمة واحدة من كل العقلاء إلى التعليم العام كسبب أولي عن المخرجات التعليمية التي هي دون المستوى المطلوب
هذه الفكرة – النجاح الجماعي- التي تلقى ترحيبًا واسعًا من المدرسة والمنزل على حد سواء قتلت لذة النجاح وجعلت الطالب يبني موقف عداء من المعلم الصادق في مهنته الذي يقدم مادته كما ينبغي لا كما يبتغي أعداء المعرفة
وطننا أيها القارئ الكريم ليس بحاجة إلى أنصاف متعلمين أو معرفة مبتورة، فالوقوف في المنتصف يعرضنا للخطر بينما العالم من حولنا يتسارع بعقول أبنائه المكتملة معرفيًا
مع الأسف، كثير من المعلمين يقدمون الدرجات كمنح مجانية للطلاب بدون أدنى سبب أو شاهد يستحق عليه كل هذا السخاء المسرطن، إما عن طريق المراجعات التي هي أنموذج للاختبار لا ينقصه سوى الترويسة وتوزيع الدرجات، أو عن طريق ملخص الورقة والورقتين وغيرها من الطرق المبتدعة للإسهام في تغييب الطالب اليوم وتغييب المجتمع غدًا
ولا يخفى على عاقل أن هذه التصرفات تساعد في تسوير فكر الطالب وإهانة عقليته وغرس لمعنى «قزم» ألا وهو أن طلابنا أقل من أن يدرسوا منهجًا متكاملا
وهذا الأمر بحاجة إلى التفاتة جادة من «الفيصل» الذي نسأل الله أن يكون فيصلا بين الغث والسمين وهو أهل لذلك بإذن الله
النجاح البارد.. عندما تكون الدرجات منحاً مجانية للطلاب!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
