وقفت مكان سقوط الرافعة في ساحة الحرم المكي، أنظر حولي وأتأمل تلك المساحات من الرخام الأبيض المشرئب بشعيرات من الرمادي والأسود التي لطالما حثثنا الخطى عليها بأرواحنا المشتاقة وقلوبنا التواقة، بحثا عن قبس من طهارة وهربا من عالم من طحين.
لأجد تلك الصفحات البيضاء تخالط عروقها الرمادية عروق قرمزية، عروق خضراء، وعروق زرقاء.
أغمضت عيني بقوة وفتحتهما لأجد نفسي أقف على جثة عملاقة، حجمها بحجم ساحات الحرم، وقد تمددت هناك مغمضة العينين، مكفنة بالبياض، وقد ارتفعت سبابتها إلى خالقها تشهده أنها موحدة، إنها فائضة إليه، إنها تبرأ إليه من أفعال قرائنها من بني البشر.
في يوم الـ28 من ذي القعدة من عام 1436 الموافق 11 سبتمبر عام 2015، هبت عاصفة على مدينة مكة المكرمة، بلغت قوة رياحها ما بين 60 إلى 80 كلم في الساعة أدت إلى قلع الأشجار، وتطاير النوافذ والأبواب الكهربائية لكثير من البيوت، والفاجعة هي سقوط رافعة معدات ثقيلة تعد من الأثقل في العالم من علوها الشاهق في كبد السماء إلى ساحة الحرم المكي الشريف المكتظ بالناس، هادمة جزءا من سقف المسعى، وجزءا من الطواف المعلق لتستلقي في ساحة الحرم داهسة تحتها نحو 200 من المصابين الذين فاضت أرواح بعضهم إلى بارئها وما زال الباقون تحت العلاج.
انقسمت ردود الأفعال بطريقة أصبحت سلوكا نمطيا لنا نحن بني العرب حتى لم يعد صعبا تكهنها.
بين من شجب وصرخ وولول على الإهمال والفساد وتقاعس الجهات المسؤولة من أرصاد جوية وشركات مسؤولة عن التوسعة، على أن ظواهر الأمور هي خفاياها.
وبين من عزا الأمر لإرادة الله المطلقة، فقدس ومجد مصاب من شج رأسه وتكسرت أطرافه، وفاضت روحه باسم الشهادة والفداء وزجل تمجيد هدر الدم باسم الدين والزمان والمكان.
ووقفت فئة ثالثة أمام مفارقة عجيبة، مبصرة، لا يمكن ردها للمصادفة أو التجاوز عنها للمسلمات.
وهو تزامن الواقعة مع يوم 11 سبتمبر، يوم سقوط برجي التجارة العالميين في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.
لنقف هنا متفكرين أمام رسالة إلهية تقول إنكم أيها البشر أرواح متساوية أمام خالقها، ولا أحد فوق المصائب والمحن.
إن ضحايا الكوارث الطبيعية، والحروب، والمؤمرات، أو الحوادث الإنسانية هم نفوس بشرية تستحق التعاطف والاحترام باختلاف أعراقهم وجنسياتهم ودياناتهم.
إن الدفاع والمحاسبة وبذل أقصى الأسباب لحفظ النفس البشرية هي أمانة إلهية، تلجم لقدسيتها الطموحات، وتكبح لحرمتها سطوة المظاهر.
سبتمبر المبصر
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
