سنحتاج كثيرا من الوقفات حين نحاول قراءة مفهوم الأجيال الأدبية ومقاربة هذا المعنى على الواقع الراهن، فالحالة التي يمكن وصفها بالأبوة الإبداعية لم تعد قائمة بالشكل الذي كانت عليه، كما أن فكرة الأديب الشاب الذي يبحث عن التشجيع للنشر أو النصائح في الكتابة لم تعد واردة في زمن مصادر المعلومات والتفاعل الجديدة
لا تكن مثلي
توجهنا في البداية إلى الجيل السابق متمثلا في الشاعر محمد الحربي الذي تحدث عن نظرته إلى الجيل الجديد من الشعراء، وعن مدى حصولهم على فرص أفضل للظهور، فيقول «هنالك شعراء وشاعرات جدد في منتهى الروعة
ومع كراهيتي لأفعل التفضيل، وتغليبي للذائقة واختياراتها وانحيازاتها، فإن منهم من تجاوز نفسه بسرعة فائقة، وتجاوز كثيرا من سابقيه»
وحول فكرة الأبوة الشعرية ونظرية التجربة الشابة التي تستفيد من التجربة الخبيرة يعلق الحربي «لدينا بحكم تآلفنا وتقاربنا الاجتماعي وحميميتنا مثل ذلك حتى على صعيد الالتقاء الشخصي، فهناك آباء وأساتذة وتلامذة، ومريدون
شخصيا أنا لا أفضل أن أكون أبا شعريا لأحد، ولا ابنا، بل أردد لا تكن مثلي، لا تكن مثل أحد»
ويضيف الشاعر الحربي «لا أنكر فضل أساتذتي ومن فتح لي الأبواب، ونحن نقول إن المتنبي العظيم جدنا وأبونا لكن المعول عليه هو أن تستفيد التجارب الشابة من كل ما سبقها بدءا من الشعر الجاهلي وحتى التجارب الأدبية العالمية الأخرى
من هوميروس حتى إليوت ونيرودا ولوركا
حتى الجديد لدى الحضارة الإنسانية
فالشعر لا زمان ولا حدود ولا عمر له
وفي طرفة بن العبد، ورامبو خير شاهدين لنا»
نظرة ريبة
في السياق المقابل، ومع تحويل دفة الندوة نحو الجيل الجديد، تحدث الشاعر الشاب حاتم الجديباء بشأن وجود مسؤوليات إضافية يتحملها هذا الجيل عن سابقه «كل جيل يقوم بتبعاته ومسؤولياته الملقاة على عاتقه، وبعدها تنتهي مهمته فيرحل، ويأخذ اللواء بعده جيل آخر كي يكمل مسيرة الحياة، والدوران في عجلتها، ويؤدي الذي اؤتمن أمانته، وعادة نجد أن الجيل القديم ينظر للجيل الجديد بعين الريبة أحيانا، أو عدم التقدير المحفوف بالازدراء لمنجزاته حينا آخر، هذا شيء طبيعي يحدث في الحياة العامة بما يصحبها من التطور والنمو الإنساني الطبيعي، ومن هنا نرى أن هذه النظرة قد تنسحب على المجال الشعري كذلك»
ويواصل الجديباء «على الجانب الآخر نحن لا ننكر وجود أساتذة في الجيل القديم دفعوا الجيل الحديث للأمام بخبراتهم الشعرية والنقدية المهمة في بابها، ربما يتحمل الجيل الجديد أعباء منهجية بدورهم، فهم مطالبون برسم خطوط مسيرتهم على خريطتهم الشعرية، وسلك دروب أخرى لم يسلكها الجيل القديم أو سلكوها لكنهم توقفوا عند نقطة معينة فلم يبرحوها»
وفي تعليقه على الشكل الأخلاقي النمطي لمفهوم الأجيال الشعرية وفكرة الأبوة والامتداد، يقول الجديباء «فكرة الأبوة الشعرية أو تكريس الخبرة لدعم الناشئة في مدرسة الشعر لشق طريقهم في الحلبة الشعرية أمر مستحسن بلا أدنى شك، وأنا باعتباري أحد الشعراء الشباب أحبذ هذا الأمر وأطلبه وأسعى إليه، والمرء يحب أن يجد من يوجهه بخلق وذوق إلى الصواب، هذه المسألة موجودة بشكل أو بآخر في الساحة الشعرية لكنها ليست بالحجم الكبير، فربما يقطع معك أستاذك الشعري مسافة معينة ثم يقف، أو يكمل معك الطريق، لكني أرى أن هذا يعتمد على الشخص بذاته صاحب الموهبة في البحث عنهم –أي الأساتذة- والاستفادة منهم ما أمكن كعلاقة التلميذ بأستاذه، وما تحتمه من الاحترام والتقدير والتواضع له»
في المقابل يرى الجديباء ضرورة الاستفادة من التراث الشعري المميز، ومحاولة تذوقه، وفهمه، وتتبع مواطن الجمال فيه، ثم الانطلاق لصنع النموذج الإبداعي الخاص
معادلة جديدة
من ناحيته ينظر الشاعر عبدالله العثمان من زاوية أخرى، إلى مفهوم التكامل الذي يحاول الوصول إليه مع أبناء جيله في صنع مشهد شعري له سماته الخاصة معلقا «ما يميز بنظري هذا الجيل الجديد أنه أكثر استقلالية من أي جيل سابق، فقد كون سياقه الثقافي ومشهده الشعري والإبداعي بحراك فردي معتمدا على الكم الهائل من المعرفة التي يضفيها العالم الافتراضي وفرصة الاطلاع على تجارب متعددة تناسب حياته والكتابة الجديدة»
في السياق نفسه لا يرى العثمان وجود أي مسؤوليات إضافية أو أعباء يتحملها الجيل الجديد، فيقول «لا أعتقد بوجود شيء من هذا القبيل وربما العكس تماما، وما يعيب الجيل الجديد بنظري عدم تحمله مسؤولية مشروعه الأدبي أو الجدية إن صح التعبير»
أما حول فكرة الأبوة والامتداد ومبدأ تكريس الخبرة لدعم الحركة الناشئة فيؤكد العثمان على أن الجيل الجديد لم يبحث عن آباء ويضيف «هو جيل ضد أي سلطة ثقافية، تدعمه اللحظة الراهنة والعالم الافتراضي بإتاحتها سرعة المشاركة والتقاطع مع الجمال والفن والشعر بسهولة من غير الرجوع والسلطنة على آراء وتوجيهات الرموز الأدبية أو أن ينتظر أحدا يقدم تجربته للمشهد الشعري، فالعالم الافتراضي وفر له إمكانية الاطلاع على تجارب متنوعة وحتى إمكانية المشاركة من داخل غرفته بقصيدته في مقهى ثقافي في بريطانيا»

