ربما يتفق معي كثيرون على أن النظام السياسي في دول الخليج ليس نظاما شموليا بالمعنى السائد للمصطلح، لسبب بسيط وهو أن المجتمع في الخليج العربي مجتمع عصبوي وتعمل الدولة على إدارة هذه العصبويات والحفاظ على استقرار المجتمع بهذه الطريقة، فيصف خلدون النقيب الدولة في مجمل المشرق العربي بالدولة التسلطية وليست الشمولية.
ربما لأن النظام الشمولي يستهدف قاع المجتمع بشكل مباشر أفقيا ورأسيا دون أي استخدام أو إدارة للعصبويات والتكتلات الموجودة فيه.
النظام السياسي في دول الخليج يعتمد بشكل كبير على الرغبوية فيقول كريستوفر ديفيدسون "إن الحكومات في الخليج تعتمد على الهبات السخية بدلا من القمع لمنع نشوء رأسمال بشري اجتماعي قوي"، فالهبات أداة مهمة وأصيلة لدى النظام السياسي في دول الخليج فمع قلة عدد السكان مقابل الثروة المالية الضخمة بفعل عائدات النفط استطاعت الأنظمة توزيع هذه الثروة بطريقة تضمن بقاء النظام السياسي بشكله الحالي.
بالتالي أصبح الاقتصاد بشكله الريعي عائقا أمام تطوير وتحديث مؤسسات الدولة؛ فكُرست العلاقة الزبونية بين المجتمع والسياسي القائمة على بقاء المجتمع في حالة ركود مقابل الحصول على المال السهل.
ففي الدولة القائمة على "دخل" تقوم القلة فقط بتوليد هذا الدخل فيما تقوم الغالبية بعملية التوزيع والاستخدام كما يذكر حازم البيبلاوي.
وتحاول الدولة في الخليج على أن تقدم نفسها كدولة الرعاية الاجتماعية من خلال مجانية التعليم والتعليم الجامعي والصحة وإعانات السكن دون فوائد وقروض الزواج.
بالتالي بات متعذرا في هذا السياق توسيع طبقة العمال والعمالة الوطنية التي تعتمد على أيديها في كسب الدخل، الأمر الذي يجعلها تكون مستقلة في دخلها عن الدولة.
وعلى الرغم من أنه يبدو للوهلة الأولى أن الاقتصادات الخليجية تبنت طرائق إنتاج رأسمالية إلا أنها لم تقم أبدا بتوسيع طبقة العمال الكادحين.
وفي هذه الحالة استوردت دول الخليج عشرات الآلاف من العمالة الآسيوية الرخيصة للتشغيل والخدمات والصناعة، وصارت أغلبية السكان الأصليين في المنطقة بعيدة عن القوى الإنتاجية وبالتالي تشكل طبقة ريعية تعتمد على الدعم الحكومي بدلا من أن تكون طبقة عاملة أو وسطى.
حتى وإن كان هناك طبقة متوسطة في الغالب يمثلها موظفو القطاع العام العريض والمتضخم والمرتبطين بشكل مباشر بدخل الدولة واستقرار النظام السياسي وأسعار النفط والمتغيرات الخارجية والداخلية أو موظفي الشركات الكبرى المملوكة للدولة والتي لا تختلف في سياساتها كثيرا عن الدولة.
بالتالي تدرك الطبقة الوسطى الخطر المحيط بها لكن خياراتها محدودة، فهي لا تمتلك الكثير من المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية التي تربطها بكبار رجال الدولة والأرستقراطيين وكبار التجار فدخلت في خلافات مع السلطة بعد أن امتلكت المقومات الفكرية والثقافية والخبرات الفنية والإدارية والعلمية، ومطالبتها بالليبرالية والمشاركة السياسية.
أما الطبقة البرجوازية فإنها تعمد حالة البرجوازية في الخليج العربي إلى تعزيز مكانتها عن طريق الهيمنة على السوق المحلية بالتحالف مع السلطة واستحواذها على النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
هذه البنية الاقتصادية للدولة الريعية والبنية الاجتماعية للمجتمع الناجمة عنها مرتبطة بشكل مباشر بأسعار النفط، ولذا ليس من المستبعد أن نشهد في دول الخليج تحولا طبقيا مفاجئا في البناء الاجتماعي للمجتمع، وتداخلا بين الطبقات وتآكلا لبعضها الآخر، الأمر الذي حتما سيؤثر على قناعاتها السياسية.
fayed.
a@makkahnp.
com
هل الخليج مقبل على تحول طبقي؟!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
