الحج، هذه الفريضة العظمى التي تهفو إليها قلوب المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها في زمان محدد معلوم، فمن بركات الله علينا أنه ليس فجائيا ولا عابرا ولا منقطعا لفترات متباعدة، وقد وضعت الدولة جهودها رهن راحة حجاج بيت الله الحرام وأمنهم، وكل عام يحفل الحجيج بإنجاز جديد ييسر عليهم مشاق الفريضة، وهذا واجب مقدّس تشرُف به بلادنا.
كم نشعر بالغبطة والفخر حين ترتفع أكف الحجيج داعين لبلادنا وقيادتنا لقاء منجزاتها المنظورة في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، ورقي تعامل الجهات وهممهم في تذليل كل الصعاب، ورعايتهم الصحية والأمنية، لكن هذا الشعور يتناقص حينما ننتقل إلى (الجوانب الإعلامية والثقافية)، في شقيها الموجه إلى الحجيج أو الموجه إلى (العالم) وذويهم في أصقاع المعمورة، نشعر حقا برسمية الوسائل الإعلامية بكل أنواعها، وقلة احترافية الإعلاميين السعوديين في هذه المناسبة، ولا يدركون أنهم محسودون عليها.
لو نظرنا إلى القنوات التلفزيونية السعودية أيام الحج؛ فلن نفاجأ بتركيزها على حركة الحجيج وترديد التلبية المسجلة ككمرات المراقبة، أو استضافة المسؤولين عن أمن وسلامة وصحة الحجيج، لكن اللمسات الاحترافية التي تتعامل مع الحجيج مباشرة تبدو خجولة، وتغيب رسالتنا الإعلامية المحترفة عن الجهود الجبارة التي توليها المملكة لهذه المناسبة العظيمة، فأين الأفلام الوثائقية بكل اللغات عن (توسعة الحرمين/‏ وجسر الجمرات/‏ ومراحل تطوير المشاعر) أين الأفلام الوثائقية الاحترافية عن جهود (رجال الأمن/‏ والدفاع المدني/‏ والجوازات/‏ وموظفي المطارات/‏ وأمانة العاصمة المقدسة/‏ ووزارة الحج/‏ ووزارة النقل/‏ وغيرها من الجهات) وكل دائرة من هذه الدوائر تتشعب إلى العديد من الفروع التي تستحق النظر والإشادة، فحينما يطّلع الحجاج والعالم والمواطنون على تلك الجهود من خلال الإعلام؛ سيدركون حجم الجهود المبذولة طوال العام، والعناية بالتفاصيل، وسينعكس إيجابا على أداء فريضة الحج، واحترام تلك الجهود، ومقدراتها المهيأة لضيوف الرحمن.
يعلم الجميع أن خلف كل مسؤول يظهر في وسيلة إعلامية آلاف العاملين، ومئات ورش العمل، ومليارات الريالات، وحديث ذلك المسؤول لا يغني عن مشاهدتها والاطلاع على تفاصيلها، فكل ذات تعمل في الحج تطوعيا أم وظيفيا تستحق التقدير، ورفع أكف الاحترام والشكر، ليشعروا بذواتهم ويضاعفوا جهودهم في تقديم الخدمات اللائقة والمشرفة، وهو ديدنهم المعروف، لكن إغفال جهودهم محبط، إضافة إلى أن هناك رسائل يجب أن تنقلها وسائل إعلامنا إلى الحجيج، سواء فيما يتعلق بالتوعية أو الجهود المبذولة، أو الرؤية، أو حتى ثقافة مجتمعنا، وصورة هذا المجتمع التي قد يشوهها ـ دون قصد ـ سائق مأزوم نفسيا، أو موظف مرهق، أو مواطن جاهل، أو تاجر جشع، فنقل تسامح وكرم مجتمعنا يجب أن يكون حاضرا في إعلام الحج بطرق ذكية، ورسائل ضمنية بصيرة على أسس علمية وإعلامية محترفة.
أما على صعيد الصحف السعودية، خصوصا صحف المنطقة الغربية (مكة والمدينة وعكاظ والبلاد) فيجب أن تخصص صفحات وملاحق بلغات مختلفة توجهها إلى الحجيج، توزع مجانا على الحجاج تحتفي بقدومهم، وتخدم الجانب التوعوي والالتزام بقواعد الحج، وفي ذات الوقت تحمّل رسائلها الإعلامية مضامين تزيد من التقارب الإسلامي والتركيز على المشتركات، وإبراز جهود الجهات المشاركة بالحج من خلال الصور الإنسانية والمثالية، كما أرجو ألا تكتفي وزارة الثقافة والإعلام بالفسح لوسائل الإعلام الأجنبية أن تنقل شعائر الحج فقط، بل ليتها تعطيها الضوء الأخضر لإبراز حضارتنا وثقافتنا، ومقدراتنا البشرية والجغرافية والاقتصادية والصناعية، وعلى ذكر المقدرات الجغرافية؛ فما أجمل أن تقوم الهيئة العامة للسياحة بدورها في أكبر مشهد سياحي في العالم، فالحج (سياحة دينية) مهمة، ربما لو توفرت لغيرنا لأفاد منها، فكم تجني الدول من استضافة كأس العالم وتتنافس على استضافته؟!كذلك يزخر الحج كل عام بمئات الشخصيات الإسلامية العامة التي يثري حضورها الإعلام، ويسعد محبوهم باهتمام إعلامنا بهم، سواء أكانت شخصيات (سياسية/‏ دينية/‏ علمية/‏ رياضية/‏ ثقافية/‏ فنية/‏ ...) فحين تستضاف هذه الشخصيات ستكون رصيدا للوسيلة الإعلامية الذكية التي تقتنص فرصة حضورهم، وتجوب بمشاهديها في أدمغتهم ومواهبهم، ونظرتهم إلى جهود المملكة في الحج، حتى وإن لم تجد الوسيلة الإعلامية مناسبة لبث مادتها في أيام الحج، ستأتي اللحظة المناسبة، فانتهاز فرصة حضور الشخصية إلى المملكة أرجأ وأنجع وأوفر من استضافتها خصيصا للّقاء الإعلامي فقط، أو اضطرار الوسيلة الإعلامية للسفر إلى بلاد الشخصية.
ختاما: بعض العصف الذهني لإعلاميينا سيكون مفيدا حينما تعقد وزارة الحج أو وزارة الثقافة والإعلام، أو هما معا، ورشة عمل لصناعة آلة إعلامية محترفة لمختلف الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية والالكترونية، حتى يكون موسم الحج محطة لجذب أنظار العالم إلى منجزاتنا ووجودنا على خارطة الفعل العالمية كما نستحق ونأمل.