برفع مجلس الشورى السرية عن مناقشة التقارير السنوية للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، والسماح بالمناقشة علنا بحضور وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمرئية والمسموعة، وستتضح كثير من الحقائق التي كانت تغلفها السرية في العامين السابقين.
بالطبع كانت تقارير «نزاهة» في العامين السابقين استثناء من الأصل في مناقشة المجلس لتقارير الجهات الحكومية في جلسات غير سرية، إلا أن نظام المجلس وفقا لما نقله أمينه والمتحدث باسمه الدكتور محمد المهنا يمكنه من تحويل الجلسات إلى سرية في حال وردت تلك التقارير للمجلس بصفة سرية أو في حال قررت هيئة المجلس أو رئيسه تحويلها إلى جلسة سرية ومغلقة، وهو أمر مقبول في حال كان ذلك يتعلق بالأمن الوطني أو مصالح البلاد العليا، ولكن ذلك لا ينطبق على تقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة».
تقارير «نزاهة» في مجملها لم تكن كذلك بل تقارير تناقش أداء الأجهزة الحكومية ومدى التزامها بالأنظمة واللوائح المنظمة لعملها، وجانب آخر يتعلق بمتابعة تنفيذ المشاريع الحكومية، للتأكد من سيرها وفقا للخطط والبرامج الموضوعة للتنفيذ، وعدم تعثرها.
فما الذي جعل تقارير الهيئة سرية طوال الأعوام الماضية، رغم أن مناقشتها علانية أمام وسائل الإعلام والرأي قد تحرج المسؤول، وتضعه أمام الحقيقية التي يهرب منها حول عمله وأداء جهته.
الملاحظ في تقرير «نزاهة» هذا العام ارتفاع عدد الجهات الحكومية التي لم تبد تعاونا مع الهيئة من تسع جهات في العام الماضي إلى نحو الضعف أي نحو 16 جهة حكومية، وتقول «نزاهة» إن هذه الجهات الحكومية ترفض تمكينها من ممارسة اختصاصاتها، والكشف عن ممارسات الفساد لمعاقبة المتورطين، وإن ذلك يتثمل في عدم توفير المعلومات والوثائق التي تطلبها، وإن ذلك يمنعها من كشف حالات الفساد، وضبطها وتوثيقها قبل حدوث أي تغيير في أدلتها وشواهدها.
حاولت أن أجد مبررا لشكوى «نزاهة» من عدم تعاون الجهات الحكومية معها، لكنني وجدت أنها دعمت بكل ما يمكنها من القيام بعملها، فهناك توجيه صدر من المقام السامي إلى جميع الجهات والمؤسسات الحكومية المشمولة باختصاص الهيئة في فبراير 2014 ينص على «الاكتفاء ببطاقات التعريف التي يحملها ممثلو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة»، لإثبات شخصياتهم عند قيامهم بالمهام الرسمية المكلفين بها، مع تسهيل مهمتهم، وتزويدهم بالمعلومات والوثائق أو نسخ منها».
ورغم ذلك استمرت تلك الجهات في عدم التعاون مع نزاهة، والأسباب في ذلك متعددة منها ما يتعلق بنزاهة نفسها أو الأنظمة والتشريعيات، وقبل أن أنتقل لمناقشة الأسباب الداعية لعدم تعاون الجهات الحكومية مع نزاهة، هناك تساؤل في غاية الأهمية، لماذا لم يكشف مجلس الشورى أو الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عن أسماء تلك الجهات؟ حتى يمكن تحديد الأسباب بشكل دقيق، لكن ذلك لا يمنع من تحديد أسباب عدم التعاون بين نزاهة وبعض الجهات، وهي أسباب شائعة ومتفق عليها:الأول: عندما تكون الجهة الرقابية أضعف ممن تراقبهم، سيكون عدم التعاون واللا مبالاة في خطاباتها وتحقيقاتها هو النتيجة الطبيعية والحتمية لمثل هذا التباين، وهذا قد ينطبق على جميع الجهات الرقابية بدون استثناء، فمتى ما كانت الجهة الرقابية محل ضعف، تداعت عليها الجهات الحكومية بعدم التعاون، ومشكلة «نزاهة» أنها لم تفعل الأوامر الملكية التي صدرت لدعمها، وبدت في كثير من المواقف محل ضعف، مما حد من فاعليتها في تحقيق أهدافها التي أنشئت من أجلها.
الثاني: اكتفاء «نزاهة» بالأساليب التقليدية، فليس من المنطقي أن تخاطب جهة عمل الموظف المشتبه فيه للحصول على كل المستندات والمعلومات والوثائق التي قد تدينه وقد تبرئه، والتي قد يكون فيها أطراف متنفذون لهم أيد خفية قد يكشف التحقيق مع ذلك الموظف عن تورطهم، فمن الطبيعي جدا ألا يتعاون مع الهيئة، ويحاول عرقلة عمل الهيئة والتحقيق.
الثالث: يعود عدم تعاون بعض الجهات الحكومية مع «نزاهة» إلى وجود استثناءات تحمي تلك الجهات ومسؤوليها من المساءلة والمحاسبة، وبالتالي لم تعد تكثرت وتهتم بخطابات الهيئة المتكررة، لأن المسؤول فيها لن يكون عرضة للتحقيق والمساءلة.