وتظل هذه البلاد المباركة فخرا للإنسانية والإنصاف والعدالة.
لا تتحدث كثيرا، وحينما تتحدث فإن القول لا يأتي في معزل عن الفعل، بل كما يقال في المثل الشعبي «قول وفعل» في زمن كثر فيه القائلون وقل الفاعلون.
ولعلي لا آتي بجديد إن توقفت قليلا أمام حادثة رافعة الحرم الأليمة، ولا حاجة للحديث عن أسباب سقوطها، سواء أكانت خشوعا كما فلسفه بعض الشعراء، أو تقصيرا من الشركة التي تركتها لعبة مباحة للريح العاتية في ذاك اليوم المشهود.
ولا يعنيني ـ أيضا ـ صمت المرجفين عن ربط الحادثة كعادتهم بعد كل حادثة بفساد الناس وعقوبة الله المعجلة، بل حاجتي للوقوف هنا أمام (حزم سلمان ودروسه الإنسانية).
الحراك السلماني بعد حادثة الرافعة ليس عاديا، بل حراك ضمنه الملك (بعفويته) عدة دروس، وعلى مستويات مختلفة.
ولعل أول الدروس إلى مسؤولي الحكومة جميعا، حين وقف ـ يحفظه الله ـ بنفسه على الحادثة، وتفقد المكان، في استشعار لمسؤوليته المباشرة عن ضيوف بيت الله العتيق.
ثم لم يكتف بالمكان، بل كانت همته أعلى، وإحساسه بالمصاب الأليم في ذروة الشعور الإنساني، ليوجه الدرس الثاني إلى العالم أجمع، إلى الأصدقاء والفرقاء، وإلى الداخل والخارج، وإلى المسؤول والإنسان البسيط، في تأكيد منه على قيمة الإنسان، وعلى القيم الإنسانية النبيلة، حين تفقد المصابين في المستشفى.
شعر الإيرانيون باللمسة الحانية للملك الإنسان، فأجبرهم فعله النبيل على الاعتراف بتفوقه وإنسانيته، وصفاء سريرته، وسموه فوق كل الظنون والتأولات، لأنهم فهموا الرسالة العفوية، وتوقفوا عند مضامينها السامية، وكأن خادم الحرمين الشريفين يقول لأقطاب الطائفية والفرقة «إن القيم الإنسانية أعلى وأسمى من التناحر والاختلاف»، وفي ذات الوقت يؤكد لشعبه ـ باعتباره (القدوة الأولى) ـ أن المسلمين جميعا إخوة، مهما شطت بهم الأهواء والتوجهات، في تكرار وتأكيد على مواقف المملكة من الناس أجمعين، وتذكير بموقف الملك عبدالله ـ يرحمه الله ـ إبان زلزال مدينة (قم) الإيرانية.
لم يتوقف الحراك السلماني عند هذه النقاط فقط، بل تجاوزها إلى الحزم، وسرعة كشف ملابسات الحادث بشفافية ومصداقية، ثم تطبيب جراحات ذوي الشهداء، والمصابين وذويهم، فتجلت صفات (الإحساس بالآخر/ والإحساس بالمسؤولية/ والصدق/ والعدل/ والكرم) في الأوامر الملكية الصادرة بهذا الخصوص، فكان إحساسه بالمسؤولية وإحساسه بالآخر أفقين صافيين تجلت فيهما الصفات النبيلة الأخرى، فالصدق يتجلى في كشف ملابسات الحادثة بشفافية، والعدل في معاقبة المقصر إن ثبت تقصيره، ثم الكرم في التعويضات السخية، واستضافة ذوي الشهداء والمصابين ضيوفا عليه، حتى تلمس حاجة الحاج المصاب الذي حرمته إصابته من حج هذا العام، بإتاحة الفرصة له العام القادم، وكل هذا لم يره المليك مجزيا، وتأكيدا على سمو نفسه وعظمتها وحرصه على العدل وإحقاق الحق، ضمن البيان أن باب (التقاضي) مفتوح في الحقوق الخاصة، ولم يحدد هذا التقاضي، بل تركه مفتوحا، سواء أكان ضد الحكومة، أم ضد الشركة.
لله درك أيها الملك العظيم، فقد رفعت سقف الإحساس بالمسؤولية إلى أمداء عليا، وأسست للإنسانية مضامين سامية بليغة، وبنيت للمجد والفخار صرحا عاليا، حتى جعلت شعوب العالم تتساءل عن أفعال قادتها التي تشبه ـ ولو بجزء بسيط منها ـ بعض فعلك الجليل، حتى وصلت إلى محاكمة الإيرانيين لموقف قادتهم من وفيات السعوديين في فندق مدينة مشهد، مقابل موقف الإنسان سلمان، فهل سيعبر هذا التساؤل ـ أيضا ـ صدور أبناء وطني الغالي، ويتوقفون أمام هذه الدروس الجليلة لاستجلاء العبر، وتوضيحها لأبنائهم وبناتهم، لتتحلى بها أرواحهم وهممهم، وتتجلى في تصرفاتهم وسلوكهم، وتظل منهلا عذبا يروي ظمأهم إلى القدوة في زمان تآكلت فيه القيم والمثل والقدوات.
خادم الحرمين الشريفين ليس في حاجة إلى إشادتي، ولا إلى حبر كتاب العالم كله، وهذه الإشادة ليست مدحا، ولا ردة فعل استغرابية تجاه ما بدر، فهذا ديدن بلادنا وقادتنا، لكن توقفي أمام هذه الدروس العظيمة يأتي من حاجتنا الماسة إليها في زمن علت فيه الأصوات النشاز، وتكاثر فيه دعاة الفرقة وأعداء الإنسانية، فضل الكثيرون وأضلوا، حتى حمل المسلمون السلاح على بعضهم، وتشفى المسلم بمصاب أخيه، وتنامى العداء بين الحضارات والأوطان، حتى صارت لغة العقل غريبة في توهج العواطف المشحونة بالكره والأحقاد والأطماع.
إن أرضا أضاء منها الإسلام، وبدد ظلمات البشرية، ستظل دوما مصدر إشعاع للخير والسلام والإنسانية.
هذه الأفعال التي نغسل بها صورة الإسلام الصافية، ونزيل من نقائها شوائب بعض من يظنون أنهم يحسنون صنعا حين يعبئون المجتمع والنشء ضد كل مخالفيهم، وقد غلفوا أعينهم وقلوبهم عن سماحة الإسلام، وأخلاق محمد صلى الله عليه وسلم.
الدروس السلمانية العملية
أحمد الهلالي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
