عن أي حزن تتحدثون وعن أي ألم تكتبون وعن أي كارثة تصورون..فالقلوب تئن مثقلة بالفاجعة والألسن تثرثر لعظم الكارثة، غير أني والله أراها مكرمة ربانية لهؤلاء الموتى والمصابين..لا أحد يعلم بالأعمال التي لديهم عند ربهم ليكرمهم بهذه الكرامة؛ ولا يدري أحد منا عن الميزة التي جعلت القدر الإلهي يختارهم في أطهر مكان وأجل الأزمنة..قد يكونون اشتاقوا لله فاشتاق الله للقائهم وشرفهم وأعظم تكريمهم، فمن يسقط عليه بنيان فهو شهيد، ومن يموت محرما يبعث ملبيا، في الحديث عن ابن عباس قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلا قد سقط من بعيره فوقص فمات وهو محرم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي.
أي كرامة هذه التي تجعل ملايين البشر يستغفرون لهم ويترحمون عليهم، وأي تكريم خير من أن تواري أرض مكة أجسادهم وترتفع لباريها أرواحهم؛ في بقعة قال عنها الحبيب صلى الله عليه وسلم «إنك لأحب بلاد الله إلي وأحب أرض الله إلي ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».
والله لو كان المرء يملك أن يقدم لربه ما يجعله معهم؛ لوجدت ملايين البشر يقدمون الغالي والرخيص لنيل هذه الكرامة الربانية.
ليتنا نتمكن أن نقول لهم هنيئا لكم، وتقبل الله طاعاتكم وغفر زلاتكم، وجعل قدومكم عليه خير من الدنيا وما فيها.
أما المصابون فقد يكون الله قد علم بنواياهم، فرزقهم حجة تحت رعاية المسؤولين وكنف المعتنين، إني أهنئهم فلقد أصيبوا وهم لا يريدون سوى رضا الله وطاعته وغفرانه، وقد تكون ذنوبهم سقطت عنهم قبل أداء فريضتهم، فمن يشاك الشوكة تكتب له حسنة، فكيف بمن تسيل دماؤهم وتنكسر عظامهم وهم لا يبتغون في أطهر بقعة غير غفران الله ورضاه.
ولا أقول إلا كما قال عمر رضي الله عنه في أم عمارة رضي الله عنها حين قطعت يدها وهي في إحدى المعارك في عهده؛ فقام خطيبا في الناس قائلا «ما رأيكم بمن سبقها بعضها إلى الجنة».
وها هي المكرمة الملكية تزف إليهم قبل رؤيتهم للمكرمة الربانية يوم القيامة، فلكل مصاب نصف مليون ولكل إصابة مقعدة مليون، فلقد كفاهم الله وأسرهم معاشهم مدى حياتهم.
نعم نحن بشر، ولقد كان صلى الله عليه وسلم يبكي على الشهداء في المعارك وهو يعلم مثواهم ومنازلهم في الجنة، نتألم ونحزن غير أنا نستبشر، فلو سردنا الأحاديث التي تبشر المصابين والموتى المحرمين ومن هم تحت الأنقاض؛ لتعجبنا لسعة عطاء الرحمن وكرمه فكيف حين يكون ذلك في بيته مع شرف الزمان.
عزاؤنا لذويهم، غير أنهم كانوا سيفقدونهم يوما، وقد فقدوهم والكل يدعو لهم ويستشعر مصابهم، غفر الله للموتى وعجل بعافية المصابين إنه كريم رحيم.
الرافعة والمكرمة الربانية
ثريا إبراهيم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
