هناك مسألتان متصلتان ببعضهما، هما: آلية الانتخاب ـ من جهة- التي تستخدم لاختيار مسؤولين أو أعضاء مجالس عامة (كما هو حال المجالس البلدية) وتحميلهم مسؤولية تمثيلية أو نيابية عن العموم. وشمول هذه الآلية ـ من جهة أخرى- للنساء ترشحا وانتخابا.
فعلى الرغم من أن آلية الانتخاب دلالة على الاعتداد بحق الفرد، فإن ميزان القوة الاجتماعية بحسابات مختلفة كان يتحكم في هذا الحق، فيقصره على الرجال، أو على صفة قوة محددة في هؤلاء الرجال عرقية، أو اقتصادية، أو ثقافية... وما إليها.
وتخلصت عديد المجتمعات العالمية تدريجيا من حسابات القوة هذه، حتى تخلصت من استبداد القوة الذكورية نظريا، وإلى حد ما فعليا، فما زالت المرأة أقل حضورا في تحمل المسؤولية العامة من الرجل حتى في أكثر الدول حرية وديموقراطية.
آلية الانتخاب لا تكتسب تمام معناها التمثيلي والنيابي، حين تحتكرها بعض المكونات الاجتماعية على حساب أخرى. لا تصبح –عندئذ- دلالة عموم تعتد بحق الفرد، بل دلالة فئوية بمعنى أو بآخر. ولهذا كان الشمول الاجتماعي والوطني مقتضى في الانتخاب بوصف الأخير حقا للفرد
لا للفئة، وللجميع لا لنوع دون آخر، أو لطبقة دون سواها.. إلخ. وهذا معنى الاتصال بين آلية الانتخاب من حيث هي عموم، وشمولها للنساء ترشحا وانتخابا: الاتصال الذي يعطف الخصوص على العموم والعكس، عطف اقتضاء ولزوم لا يكون معه للخصوص ولا للعموم معنى أو وجود دون الآخر.
لكن المشكلة ـ بعد ذلك- ليست في الوعي بأهمية الانتخاب ووظيفته، ولا في الإقرار به حقا لجميع المكونات الاجتماعية، وصدور أنظمة رسمية تشرع هذا الحق وتنظمه، وإنما في ضعف الإقبال عليه وقلة التحمس له، وفي عدم نجاح فئات أقل نفوذا اجتماعيا وحضورا أو ندرته وضآلته.
فأما الزهد في العملية الانتخابية للقادرين على ممارستها، فهو تملص من الاضطلاع بمسؤولية عامة، وتهرب من مسؤوليتها، أو شعور بالإحباط، أو اتصاف بالاتكالية، أو أنانية منغلقة على ذاتها، أو لأن المجتمع يتيح من الضوء والنجومية خارج هذه الممارسة ما لا يبقى لها شيء أو يبقى القليل، أو لأن الدور الذي تؤهل له دور شكلاني أو محدود.
وهذه أسباب ترجع إلى التكوين الثقافي والاجتماعي للفرد تجاه مجتمعه ووطنه، كما ترجع إلى مقدار عموم المسؤولية الوطنية والاجتماعية. وأما إخفاق بعض الفئات الاجتماعية ـ ويمكن اتخاذ النساء مثالا- في الوصول عبر الانتخابات إلى المشاركة في تحمل طرف من المسؤولية، فإنها نتيجة مؤثرة على تكييف معين للمسؤولية، وعلى قصور الدلالة -ولو رمزيا- على عموم التشارك فيها.
لا يكفي ـ إذن- تشريع الانتخابات، وممارستها، بل لا بد من نجاحها وبلوغ هدفها. وهي لن تنجح إذا لم تؤد إلى اهتمام عموم المجتمع بها وارتفاع نسبة المشاركة فيها. ولن تنجح إذا ما احتكرتها فئة، أو وجدت بعض الفئات قيودا تفضي إلى قصور مشاركتها، أو حرمانها.
ولن تنجح ما لم تؤد إلى تعزيز الوطن وليس العائلة أو القبيلة أو الانتماء المذهبي والفكري، وتسريع خطوات التنمية والبناء وليس المشاحة في وجهات النظر وتنازعها وإعجاب كل ذي رأي برأيه.
ولكن عدم بلوغ ذلك لا يعني الفشل بل المحاولة؛ وهي محاولة بطريقة عملية لا يمكن بغيرها اكتساب الوعي والتجربة والتهذيب والترقي الذي تتيحه ممارسة الانتخابات.
وإذا كان إلحاح المسؤولين في المملكة على دعوة المواطنين والمواطنات إلى المشاركة في انتخابات المجالس البلدية، يدلل على الوعي بأهمية الإقبال على الانتخابات، والرغبة في إنجاحها، والتفهم لمؤداها؛ فإن في يد المسؤولين أيضا وسائل لتلافي بعض الإخفاقات المتوقعة، مثل: فرض كوتة نسائية في كل مجلس، وتوسيع دائرة المسؤولية المناطة بالمجالس البلدية، والتحوط لبعض عوامل الاجتياح والتحييز لنتائج الانتخابات، بتزكيات دينية، أو دعايات قبلية، ونحوهما.
إنه الوطن الذي يقوى ويعز بقوة كل فرد فيه ومسؤوليته عنه، فلتكن المسؤولية عن الوطن همنا جميعا.