أتفهم أن تسعى جامعة سعودية لاستقطاب أعضاء هيئة تدريس من جامعات عريقة ذوي مؤهلات وسيرة ذاتية وأكاديمية متميزة، بل وأتمنى ذلك، لكن ما لا أفهمه أن تولي جامعاتنا وجهها ووجهتها شطر دول الجوار للتعاقد مع أعضاء هيئة تدريس.
واعتراضي ليس لمجرد أن هذه الدول جارة وصديقة وعربية وسياحية، بل لأن تصنيف جامعات هذه الدول قريب من تصنيفات جامعاتنا، وفي المقابل فإن لدينا شبابا من حاملي الماجستير والدكتوراه ما زالوا على رصيف الانتظار وفي معمعة البطالة، وهؤلاء الشباب ليسوا أقل مؤهلات من الذين يتم التعاقد معهم، فهم إما من خريجي الجامعات نفسها التي تتعاقد مع أساتذة من الخارج، أو خريجي برنامج الابتعاث.
فإن كانت الجامعة ترى أن خريجيها ليسوا مؤهلين لأن يكونوا أساتذة مميزين فتلك مصيبة، وإن كانت ترى العائدين من الشباب السعودي الذين حصلوا على مؤهلاتهم من جامعات غربية وشرقية معترف بها في وزارة التعليم أقل أيضا من جامعات الدول العربية، فالمصيبة أعظم، فنسبة 48% بالجامعات من المتعاقدين كبيرة جدا.
وعلى العكس تماما كنت سأُصفّق لهذه النسبة طويلا لو كان هذا العدد لأساتذة معروفين على مستوى العالم وبتخصصات دقيقة ونادرة، لكن أن يكون عدد كبير من المتعاقد معهم في تخصصات الفقه والعقيدة والمذاهب المعاصرة واللغة العربية، فذلك أمر يستحق أن نزرع لأجله ألف علامة استفهام، وبحسب صحيفة (الوطن) فإنه تم خلال العامين الماضيين حصول أكثر من 10 جامعات سعودية على أكثر من 10 آلاف تأشيرة من عدد من الدول في مختلف التخصصات، ومن بينها تأشيرات لاستقدام محاضرين ومحاضرات من حملة الماجستير.
هناك خلل بالتأكيد، فإذا كنّا نقوم بتدريس المواد الدينية واللغة العربية منذ أول سنة دراسية حتى لما بعد الجامعة، ثم نكتشف أننا نعاني من عجز بهذه التخصصات، فهنا مشكلة لن نحلها بالتعاقد مع مؤهلين من دول أخرى، هذه طريقة لتجاهل المشكلة، والمضي قدما في تخريج طلاب غير مؤهلين.
فالتعاقد من المفترض أن يكون حلا موقتا حتى نهيئ له البديل السعودي المؤهل، أما أن نستمر بالتعاقد لعشرات السنوات، ونستمر أن نخرج طلابا غير مؤهلين فـ(كأنك يا بوزيد ما غزيت)، هذا إذا أحسنّا الظن وقدمنا فرضية أن السعودي غير مؤهل ليكون عضو هيئة تدريس في الجامعة التي خرجته وفي نفس الوقت تستقطب متعاقدين يعلمون طلابها حتى يتخرجوا غير مؤهلين!.
والآن ينبغي لجامعاتنا الحبيبة أن تعترف أولا بوجود الخلل ومن ثم تدرس سبل تجاوزه، مثلما نهضت يوما وارتقت لتصنيف متقدم، عليها الآن أن تنهض مرة أخرى وتراهن على أنها تستحق تصنيفا (حقيقيا) أفضل، وأن تتجاوز منطقة المنتصف الضبابية، فإما أن تسعى لاستقطاب كفاءات (علماء) يضيفون فعلا لها، أو فلتجعل الأمور - كما يقول المثل - (على مبنى الشايب!).
تعاقد الجامعات..التساؤل المُر!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
