هل من حقنا أن نفرح بخبر الشروع في مسلسل خاص بالراحل الكبير الدكتور مصطفى محمود؟ هل من حقنا أن نحتفي بسيرة هذا العالم الجليل الذي أمتعنا وأمتع الجمهور العربي ببرنامجه الذائع الصيت «العلم والإيمان»؟ هل من حقنا أن ندعو للاحتفاء بهذه الشخصية أكثر وأكثر فنطالب وزارات الثقافة والإعلام في الدول العربية بأن تنتج كتبا ومؤلفات تقدم العالم الكبير الدكتور مصطفى محمود للأجيال الجديدة التي لم تتعرف عليه وعلى كتاباته وتاريخه؟هل من حقنا أن نطالب وزارات التربية والتعليم في العالم العربي أن تدرج سيرة الراحل الكبير في مدارسها بمختلف المراحل العمرية؟ هل من حقنا أن نطالب كليات الإعلام والآداب والدراسات الإسلامية أن تخصص مواد تحتوي على جزء من إنتاجه العلمي والأدبي الكبير؟هل من حقنا أن نطالب وزارات الإعلام العربية بإنتاج أفلام سينمائية تحتفي بالدكتور مصطفى محمود وبأمثاله من النابهين من الأدباء والعلماء في القرن العشرين؟الإجابة حتما نعم
من حقنا كجمهور عربي جاد أن نطالب بذلك وأكثر، ليس فقط من باب رد جزء من الجميل والتعبير عن الوفاء والعرفان لذوي السبق من علمائنا وأدبائنا ومفكرينا، وإنما لإيماننا بأن تهميش وإغفال دور هؤلاء الرموز يجعلنا وكأننا أمة هي اليوم في العراء!نعم إن إسقاط وتهميش دور رموزنا المؤثرة التي رحلت قريبا عن دنيانا، وعدم تسليط مساحة كافية من الضوء على تاريخهم، وعطائهم، ومساهماتهم المتنوعة يجعلنا نبدو وكأننا أمة كان لها ماض وانتهى! لا، لم يتوقف الزمن بنا، ولن يتوقف عن ضخ قامات علمية وإنسانية فريدة، فهذا الدين منذ بزوغ شمسه ما زال يصنع النماذج البشرية الرفيعة والنادرة
نعم، لقد تركت الصبغة الإسلامية أثرها على الإنتاج العلمي والأدبي لأغلب القامات العلمية والأدبية والفكرية والإنسانية التي عاشت في القرن العشرين وبزغ نجمها فيه
ولأن حديثنا اليوم يتجه في المقام الأول عن العالم الكبير الدكتور مصطفى محمود ـ رحمه الله ـ فإن السؤال الذي افتتحت به المقال ما زال قائما
لعل القارئ الكريم يستغرب ويقول: ومن الذي يمنع أو يحجر أو يخاصم فكرة الاحتفاء برمز كبير كالعالم الدكتور مصطفى محمود؟ والإجابة هي أن البعض عاب عليه ضربه العود، وكانت له يوما علاقة بالفن والموسيقى! نعم هذه جريمة كاملة في عرف بعض ضيقي الأفق ممن يرون أن كل الفضائل الإنسانية والأدبية يجب أن تختفي إذا كان صاحبها يتعامل مع العود!ضرب العود لدى هؤلاء الناس حرام، ومن شدة حرمة ضرب العود فإن مئات المؤلفات، ومئات الحلقات العلمية التي تربط بين العلم والإيمان، وآلاف المقالات العلمية والإبداعية التي كتبها الدكتور مصطفى محمود في شتى علوم الأرض

كلها يجب أن تتبخر وتصبح هباء منثورا! هكذا يرى بعض من يرون أن ضرب العود يتساوى مثلا مع أكبر جريمة دينية على وجه الأرض! لا تستغرب أيها القارئ الكريم، فمن بيننا أناس ظنوا أن الله لم يهد سواهم! لا تستغرب من ضيق أفق البعض ونكرانهم الكامل وإلغائهم لمآثر إنسانية سطرها العالم مصطفى محمود بسلوكه الرشيد وقلبه الكبير! المستشفى الخيري الذي أنشأه، والذي أسس على أرقى المعايير العلمية ليخدم الفقراء والمساكين والمحتاجين

والمرصد الفلكي العالمي الذي بناه ليكون نواة متقدمة لدراسات علم الفلك في مصر
الجامع الكبير، جامع مصطفى محمود الذي بناه بكسبه الحلال

كل تلك المشاريع الخيرية العظيمة يجب أن ننساها ولا نذكرها بالإعجاب والثناء، لأن مصطفى محمود عزف يوما بالعود!يا الله! كم نغلق قلوبنا عن الخير، كم نقزم ضمائرنا؟ كم نشوه الجمال في دواخلنا يوم أن نقف أمام ما نظنه ذنبا فنلغي بأفواهنا أعمالا تدخل في عالم الخلود والعطاء الإنساني الفريد
رحمك الله يا دكتور مصطفى، عالما جليلا، وباحثا فريدا، وسائحا في أرض الله، تتنقل في الدنيا تبحث وتفتش وتكتشف عادات الشعوب وطبائعها، وتسجل بقلمك الثري ما يضيف الكثير لعلمنا وفهمنا للحياة من حولنا

رحمك الله وأنت الكاتب العبقري، والصابر على المرض والبلاء، محتسبا عند الله الأجر والعطاء
برئة واحدة فقط أمضى الدكتور مصطفى محمود أغلب سنوات حياته
وبعمليات متنوعة في القلب والقولون وأجزاء مختلفة من جسده استطاع المرة تلو المرة أن يؤكد لنا أن المرض ليس مرض الأبدان إنما هو مرض العقول والضمائر والأرواح
تزوج المرة الأولى عندما كان شابا بمعايير الشباب العادي، وتزوج ثانية بمعايير الفيلسوف المؤمن صاحب الرسالة العلمية والإنسانية في الأرض
زوجته الأولى كانت شديدة الغيرة فضاقت الحياة بهما، والثانية رغم فضلها لم تستطع أن تعيش مع زاهد في الدنيا ترك الدنيا كلها خلف ظهره وانزوى في غرفة ضيقة يكتب ويعبد الله
قامة من القامات الإنسانية النبيلة، ورمز من رموز العطاء والعلم والإيمان، تركنا ورحل مخلفا سيرة وشواهد وتراثا يشهد له بالسبق والتقدم والمبادأة في دروب الخير وأبواب النجاح
ارتقى بنفسه عن مواطن الفتن، وعبر بجسارة عن اعتقاداته في الإصلاح والتغيير والبناء، وناقش هؤلاء وأولئك ،ولم ينحز يوما لتيار سياسي معين، لأنه بحد ذاته قامة تُتبع ولا تتبع إلا منهج النبي الأمين عليه الصلاة والسلام
أنّى قلبت في سيرة العالم مصطفى محمود وجدت نبضا من فكر متألق وحياة خالدة

تلك هبة الرحمن الرحيم لهذه القامة الفريدة التي قدمت نموذجا لاستثمار الزمن والطاقة والموارد المتاحة لتطوير الحياة
لقد ارتقى بالمحتوى الإعلامي المرئي فكان برنامجه العلم والإيمان نقلة نوعية في المواد المقدمة من التلفزيون المصري
وارتقى بجهده في التأليف فقدم فنونا وأصنافا من المؤلفات في مختلف مجالات المعرفة
وارتقى بدور المشاهير فسخر ماله وحياته وجاهه ليؤسس مركزه الطبي ومركزه الفلكي ومؤسسته الخيرية، وقبل ذلك المسجد الذي سمي باسمه

رحمه الله وأسبغ عليه من واسع عطائه
[email protected]