في ساعة كان المسلمون يتوجهون لربهم بالدعاء تحريا لساعة الاستجابة في آخر ساعة من يوم الجمعة الماضية، يقع قدر الله وتسقط أكبر رافعة في الشرق الأوسط وخامس أكبر رافعة على مستوى العالم، هذه الرافعة يتم تثبيتها بأربع قواعد، القاعدة الواحدة تزن ألف طن، ولكنها قدرة الله.
وبطبيعة الحال فقد فاضت أرواح إلى بارئها، وأصيب من أصيب على إثر ذلك السقوط، وتوالت الرسائل وانتشرت المقاطع، وتناقلت الخبر وكالات الأنباء والقنوات التلفزيونية والإذاعية على حد سواء.
ومن الناحية الاجتماعية يبدو أن البعض من البشر يستهويه التندر، ولا يظهر الجدية حتى في أحلك المواقف وأصعب الظروف؛ فقد نظر إلى التاريخ وكذلك بعض الأسماء، في محاولة يائسة بائسة للربط بين الحادثتين، وهو أمر مؤسف أن يصدر ذلك من بعض أبناء هذه البلاد، فمثل هذه الظروف تستلزم الوقوف مع القيادة والنظر إلى ما وقع بحس الإنسان المسلم بالترحم على الشهداء والدعاء للمصابين.
وما زالت شريحة مجتمعية ترسل رسائل ترجو عدم تداول ما وقع، وترى فيه رأيا عجيبا؛ بأن ذلك يضر بلادنا أو يسيء لمنجزاتنا، والواقع أننا اليوم نعيش في قرية كونية، فما يحدث في بلد يعلم عنه العالم بأسره وفي غضون دقائق، إن لم تكن ثواني معدودات، فلا بأس من النشر مع التوعية، لقطع الطريق أمام المتربصين، وبيان الحقائق كاملة لتمثل في نهاية الأمر حجة دامغة وبرهانا ساطعا على ما تقوم به هذه البلاد من جهود، وأن الحوادث العرضية لا يمكن لمنصف أن يجعلها مهدرة لتلك الجهود الجبارة، وهي تقع في كل مكان والتعامل معها يجب أن يكون شفافا ومعلنا.
وكما جاء في المثل العربي فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب، فمليكنا زار الموقع في اليوم التالي وصرح - حفظه الله - بأن التحقيق جار وسيعلن عن نتائجه، في ثقة القائد الذي أراد أن يبرهن أن الشفافية شعاره والحقيقة غايته.
وكأن لسان حاله، أيده الله: ليس لدينا ما نخفيه ولا يوجد ما نتخوف منه.
المشهد فيما يبدو للمتابع ليس بالحدث الهين، ولا بالأمر اليسير، بل هو خطب جلل، وكم كان بودي لو توافقت الوسائل الإعلامية لدينا لإظهار ما يمكن إظهاره من حقائق دامغة وبيانات علمية لا تقبل التشكيك، لإقناع المنصفين بأن ما وقع هو قدر من أقدار الله لا يمكن لقوة بشرية أن تقف ضده، والمفترض تسليط الأضواء على أضخم مشروع بنائي على وجه الأرض.
كما فعلت بعض القنوات ومنها قناة CNN في نشرة أخبارها حول الحدث، حيث ذكرت «أن رافعة قد سقطت في المنطقة التي تحتوي على أكبر تجمع للرافعات على وجه الكرة الأرضية، وأردفت صورة فضائية تأسر العقول لمشاهد هذه الرافعات حول مشروع أقل ما يمكن أن يوصف به بأنه الأضخم.
وكان يفترض أن ينقل إعلامنا أن مشروع توسعة المسجد الحرام كسر الرقم القياسي الذي كان يحمله مبنى الجمرات كأضخم كتلة تسليح خرسانية في تاريخ البناء الذي قامت به البشرية قاطبة، والعجيب أن هذه المعلومة نشرتها مجلة «GE» المتخصصة في روائع الابتكارات الهندسية.
ليت إعلامنا بين للعالم أن مشروع توسعة المسجد الحرام يعمل فيه أكثر من خمسة آلاف مهندس، وقرابة 50 ألف عامل في الدوام اليومي الواحد، ويستخدمون ما يقارب من 13 ألف جهاز وآلات إنشائية وهندسية، وبحسب ذات المجلة فإن هذه الأرقام القياسية لن تنازع على المدى القريب مطلقا، لأن البشرية لا تحتاج لمشروع يستوعب خمسة ملايين زائر في اليوم إلا في مكة المكرمة.
إن بلادا تنفق المليارات لخدمة الحرمين الشريفين، وتيسير أمور الحجاج والزائرين، لا يتصور عقل بشري أن تسمح بوقوع الخطأ أو ترضى بالخلل أو مجرد النقص، ولكن - كما أسلفت - في صدر المقال أن ما وقع هو قدر من أقدار الله، وقد بينت المقاطع ما كانت عليه أوضاع الطقس العجيبة في مكة المكرمة.
وظهر بعض المشايخ الفضلاء، مشكورين، ليبينوا أن من مات فهو في حكم الشهيد قياسا على الهدم، رافضين الربط بين التاريخ والأسماء بشكل مطلق.
والأمل أن يأتي اليوم الذي يكون فيه التعاطي المجتمعي راقيا، والتعامل الإعلامي أكثر احترافا ومهنية مما وقع، فهل يتحقق ذلك في المنظور القريب؟
رافعة مكة.. والتعاطي المجتمعي والإعلامي
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
