ظل ارتباطه بقريته في ضواحي الباحة قويا لدرجة الحنين المستمر، فما إن يجد متسعا من الوقت إلا ويسارع إلى حضن بلدته الرؤوم، وحتى يربط نفسه بها على نحو موثق أنشأ مكتبته الأولى الخاصة في بيته الذي ولد وتربى فيه، فأصبح يهرع إليها كلما جن الحنين.
لكن حكاية الدكتور معجب الزهراني مع الكتب والمكتبات لا تتوقف عند مكتبته تلك، فقد تكونت لديه مكتبة ثانية إبان مكوثه طوال عقد الثمانينات في فرنسا للدراسة في جامعة السوربون العريقة، فكانت حافلة بما يصب في تخصصه، وبعد عودته من باريس وحصوله على درجة الدكتوراه في الأدب العام والمقارن، عن أطروحته «صورة الغرب في الرواية العربية الحديثة» أنشأ مكتبته الثالثة في منزله بالرياض، وفيها كتب روايته الأولى بعنوان «رقص» فكانت نتاجا (لمراقصته) للكتب طوال نصف قرن.
أتاحت له جامعة الملك سعود، بعد العودة من باريس، والتحاقه بأعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة العربية بها، أن يكثف جهوده في إعداد البحوث والدراسات المعمقة في مدارات متعددة في فلك الأدب والفكر العربي.
ثم قدم في منجزه في كتيبه الصغير «الفكر الحواري في فصل المقال» جهدا حواريا منظما، في نظرية المعرفة وما استتبعته في الاتصال، وكان توثيقا لم يعتد عليه في جمع مقالاته ودراسته الغزيرة بين دفتي كتاب.
غير أن مشاركته في إعداد موسوعة الأدب السعودي الحديث، في قسمي القصة والمسرح، كانت تتويجا لجهد استمر نحو خمس سنوات، أنجز فيها، مع ستة من زملائه الأكاديميين عشرة مجلدات ضمت سجلا تعريفيا وصورة شاملة للتطور الثقافي وسيرة الأدب السعودي طوال مائة عام، وبذلك يكون قد حقق مساهمة مرموقة في منجز ليس له مثيل في العالم العربي.
أما فوزه بجائزة أدبي الرياض في الدورة الخامسة عن كتابه مقاربات حوارية، كان اعترافا وتكريما لجهوده، لا سيما وأنه أول كتاب يصدره، وهو جدير بذلك، لا سيما وقد أثرى الساحة النقدية والفكرية بطروحات رسخت مفاهيمه في الثقافة العربية، منها: مفهوم التراث في الفكر العربي المعاصر، ونحو نظرية جمالية عربية - إسلامية، وغربة الظاهرة المسرحية في الثقافة العربية الإسلامية، وخطاب المحبة في «طوق الحمامة»، وكذلك صورة المرأة في خطاب ابن رشد.
عضويته الطويلة في أسرة تحرير وتأسيس مجلة «دراسات شرقية» التي تصدر من باريس بالعربية والفرنسية والإنجليزية منذ عام 1988، هيأت له مكانة رفيعة يعتد بها، وجعلته على متابعة مستمرة لما يقدمه الدارسون النقديون والمفكرون في مختلف أنحاء العالم.
معجب الزهراني الناقد الذي رقص مع الكتب نصف قرن
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
