جسد طري لفظته الأمواج على الشاطئ في جنوب تركيا أسقط كل المعادلات والحسابات السياسية والعسكرية التي ترسم معالم الجيوسياسية المقبلة في الشرق الأوسط الكبير.
مشهد الطفل السوري إيلان الذي عُثر على جثمانه قبل أيام بمنطقة بودروم التركية على شواطئ المتوسط، بعدما قلبت الأمواج قارب أسرته المطاطي وهي تحاول الهروب لليونان، هو الذي حرك الضمير العالمي مجددا للالتفات نحو ما يجري في سوريا.
كما أن مشاهد آلاف اللاجئين السوريين في البحار والمحطات والموانئ والحافلات والقطارات، هي التي حركت اهتمام الرأي العام العالمي، بتفاقم هذه الأزمة وجعلتها تتصدر وسائل الإعلام.
وما ساهم في تفاقم هذه الأزمة، انتشار ظاهرة تجارة البشر، التي باتت رائجة نظرا لكثرة الفارين من جحيم المعارك.
فيكفي أن تدفع ألفي دولار كسعر متوسط للدليل، وهو يتكفل لك بتأمين القارب المطاطي الذي سينقلك بحقيبة يد صغيرة وحلم متواضع بين أمواج بحر إيجة أو المتوسط من أية نقطة ساحلية في تركيا مثل إيفليك، ديديم، بودروم ، وديكيلي، لا فرق.
المهم هو المحاولة وأنت تتحمل المسؤولية والنتائج.
خارطة التحرك والانتقال كما ترسمها السلطات الرسمية في أكثر من دولة هي عبر البر من الشرق إلى أوروبا، واتباع مسارين رئيسيين.
الأول: السفر عبر تركيا أو ليبيا إلى بلغاريا أو اليونان، ثم إلى دول البلقان وإيطاليا فأوروبا الغربية.
الثاني: يعبر المهاجرون رومانيا إلى المجر أو النمسا أو سلوفاكيا والتشيك، ثم إلى إيطاليا وألمانيا.
وفي كلا السيناريوهين تكون تركيا الجسر البري بين الشرق والغرب، أو عبر الشواطئ الليبية.
وتقارير مؤسسات المجتمع المدني التركية تقول بالنسبة إلى هؤلاء الذين يسافرون عن طريق البر من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا، يبدو أن بلغاريا أصبحت هي الخطوة الأولى في رحلتهم لدول غرب أوروبا الغنية.
وفي تقرير أعده نواب أتراك بتكليف من البرلمان، كشف بأن حركة اللجوء من تركيا تتم بحرا عبر مياه إيجة والبحر المتوسط بالدرجة الأولى.
وأن اتساع رقعة المساحات وتداخل المناطق وكثرة عدد الجزر خصوصا في إيجة الذي لا يفصل بين تركيا واليونان سوى عدة كيلومترات فقط هو الذي يشجع الأسر على المغامرة وتجربة حظوظها على هذا النحو.
وتعتبر اليونان المدخل شبه الوحيد للقارة الأوربية للاجئين السوريين من تركيا.
فهي دولة أوروبية تطل على بحري إيجة والبحر الأبيض المتوسط من ناحية شبه جزيرة البلقان، ولها حدود مع تركيا في الشرق برا، حيث تكون عملية التسلل عبر نهر «مريج» الفاصل بين تركيا واليونان.
ويقول الأكاديمي جميل غونار المتخصص في قضايا ومشاكل الهجرة، حول خارطة تنقل اللاجئين إن هناك بلادا ينطلق منها اللاجئ وبلدانا يعبرها للوصول إلى بلدان يستقر فيها.
وتركيا كانت حتى الأمس القريب تلعب دور جسر العبور بين دول الشرق والدول الأوربية، تماماً مثل اليونان وقبرص، لكن حجم الأزمات وعددها الكبير دفع بهذه الدول أيضا لتصبح دول استقبال، وهو سبب تفاقم المشكلة وتشعبها.
تركيا.. طريق الهجرة إلى الأرض الآمنة أو الموت
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
