في «اثنينية أبو ملحة» وأنا أدير مسامرة لأحد مثقفي المنطقة وكتابها «الدكتور علي بن سعد الموسى» التي كانت تقام في منزل «اللواء سعيد بن محمد أبو ملحة» من كل يوم اثنين حينما يكون حاضرا بأبها، هذا الرجل - أقصد اللواء - قد بلغ به الجود والسخاء والكرم كما لو أن الشاعر «النابغة الذبياني» قد عناه قبل مئات السنوات بقوله: (متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد).
فلم يكن للحاضرين إلا هز رؤوسهم مقررين صدق ما ذهبت إليه، وكأنهم يقولون «نبصم بالعشرة» على صدق ذلكم الاستشهاد الذي يستحقه رجل مثل أبي محمد، فكل من عرفه يعلم أنه مضرب مثل للجود والسخاء والكرم والتواضع والوفاء (حبيب إلى الزوار غشيان بيته جميل المحيا شب وهو كريم)، حتى إني ضمن سلسلة مقالات (رجال في ذاكرة عسير) التي نشرتها عن شخصيات في عسير بإحدى الصحف، في مقال عنه قلت بصدق ويشهد بذلك كل من عرفه: (جمعية الخير المتنقلة أبو ملحة)، واليوم وأنا في الرياض لم يكن لي وأنا أصدم بخبر وفاته يوم الجمعة برسالة جوال طارت بصوابي وحبست الكلمات في فمي وجمدت الدمعة في عيني إلا أن أردد: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي إلى الكذبحتى إذا لم يدع لي صدقه أملا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بيفلقد كان منزله عامرا بالحب والضيافة كما كان قلبه ودودا محبا صادقا لمن يعرف ومن لا يعرف، كان عاشقا للثقافة والمثقفين، فكانت «اثنينية أبو ملحة» ملتقى للمثقفين والأدباء في منزله بأبها بحي «سر ثبتة» ذي الإطلالة الأبهاوية الجنوبية الساحرة، يتثاقفون ويتسامرون، وكنت أرقبه في المرات القليلة التي حظيت فيها بوجودي بين ثلة المثقفين، إنه لم يكن ليجلس عقب انتهاء المسامرة إلا بعد أن يطمئن إلى أن الجميع قد أخذ مكانه على «مائدة عشاء المسامرة» رحمه الله.
حينما يتحدث يأسرك بهدوء عجيب وإحاطة واسعة لما يريد التعبير عنه، كنت أشعر بأنه والدي في كل مرة يحادثني أو أقابله لا سيما وأنه رفيق درب لوالدي الذي يكبره بعدة سنوات، نعم (الموت حق علينا) وكلنا على وعد ذات يوم بالرحيل، لكن رحيل الرموز والأفذاذ من حولنا موجع ومفجع للقلوب المحبة، فضلا عن أن يكون الوداع لأناس كانت حياتهم درسا يزخر بالعطاء والتواضع وطيب المعشر والمواقف الوطنية والاجتماعية التي ستبقيهم أحياء في قلوب محبيهم ومريديهم وأسرهم لمآثرهم، وستبكي كل الأماكن ومواقف النبل والخير فقدهم، وستسأل عن غيابهم وتقول:إلى الله أشكو أن كل قبيلة من الناس قد أفنى الحِمام خيارهم ولكنها الدنيا التي نعبرها، فهي ليست إلا جسرا أو ممرا نحو حياة أبدية أخرى علينا أن نسيره ونعبره، وأما «الموت» فهو قدر الله المكتوب على بني البشر وقد قال جل في علاه «كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون».
رحم الله أبا محمد اللواء «سعيد أبو ملحة» وجبر قلب أسرته وبنيه، فأثره محمود، وسيرته عطرة، وفقده ليس على أسرته وحدهم كبيرا إنما فقده على الجميع جسيم، فقد كان وفيا للجميع، وحق علينا أن نذكره بعدما رحل وفاء له، وليس لنا إلا قول يرضي ربنا وإنّا لله وإنا إليه راجعون.