لا أعلم من أين أبدأ فالختام بدء، والبدء ختام، خاصة إن كان الحديث عن الحياة في قريتي الحالمة العفيفة التي طالما بكت وهي تراني أشقى لكي أحافظ على علاقتنا الحميمة والتي كان القاسم المشترك بيني وبينها هو التراب الذي خلقت منه وسأعود إليه، فما زلت أحافظ عليها وهي تحافظ علي، كل منا بحسب إمكاناته. فالماضي الجميل الذي يحلم به أهل المدن والمتمثل في الكثير من أشيائنا اليومية التي ما زالت موجودة على أرض الواقع الجميل في قريتي، كانت ستسلبها منا التنمية والتطوير والتحضر (الحضارة بمفهومنا نحن وليس بمفهوم أهل الحداثة).
كانت الأشجار ستفقد (مدارية) الأطفال، وكانت ستفقد أيضا أهل (اللباب).. كانت ستفقد معاليق الذبايح وفؤوس المحتطبين و(مسدح) الراعي و(مهواشة).. كان وادينا سيفتقدني وأنا أشق فيه طريقي الجديد بعد السيل الذي أيضا كان سيفتقد جماله حين تلوي عنقه عبارة أو يغطيه كبري أو تحيله ردمية وضع عليها اسفلت أسود.
كانت الجبال ستفقد أصوات حماة المزارع ورعاة (الحلال).. كان العصر سيفقد اجتماعنا عند دكان عمي وسيفتقد (دربنا) صوت مطحنتنا.. كانت مزارعنا ستفقدنا وتفتقد السيل وتفتقد (امقريني وامبيضاء).
أشياء كثيرة كانت ستفقد بريقها، ومنها أنا! كنت سأفقد وقوفي لساعات على حافة الوادي، وكنت سأفتقد أيضا لذة مشاهدة السيل. كنت سأفتقد هدوء الصباح وضجيج (ضحوة)، كنت سأفتقد لذة العافية وصبر (الضيقاء) لو اقتربت أكثر للمستشفى.
كنا سنفقد ترابطنا في معرفة من سيذهب للسوق يوميا لنعطيه (ودايعنا).. كنا سنفقد فزعتنا مع الراعي إذا ضاعت أغنامه.
كنا سنفقد الكثير والكثير، فقريتي ما زالت جميلة وما زال الليل فيها للسبات والنهار للمعاش. لم تمتط الخيانة ترابها لينبت أشجار البزرومي والواشنطنية والأشجار التي احتلت تراب المدن، حيث ما زال ترابها ينبت العروج والسمر والسكب والسناء. لم تمتطها الخيانة أبدا فقد وصلت لدرجة أنها لم تسمح حتى لمصانع الخرسان بنهش جبالها.
ما أجملك وما أوفاك من جماد حي لن أسمح له بالموت ما دمت حيا، ما أجمل عطاءك لمن بر بك.
لن أطيل عليكم كثيرا ولكن ارجعوا للعنوان.