الحياء واحترام حقوق وإنسانية الآخر وصيانة آدميته وحفظ كرامته من الأسس القوية والمهمة في بناء النسيج الاجتماعي وتقوية اللحمة الوطنية، والخروج على هذا النسق من شأنه أن يبعث الفرقة ويثير التناحر وينخر في جسد الوطن، مما ينذر بخطر كبير وشر مستطير، ذلك لأن التفكك الاجتماعي له أثره السلبي على المدى البعيد على وحدة وقوة الجبهة الداخلية للوطن، مما يوجد بيئة مواتية للمتربصين للنيل منه والعبث بمقدراته، وفي الفترة الأخيرة طرأت سلوكيات لدى بعض فئات المجتمع لم تكن لتظهر في مجتمع كمجتمعنا تمثل الأخلاق وحسن التعامل حجر الزاوية في ثقافته الدينية وعاداته الاجتماعية وتقاليده المتأصلة في وجدانه إلى درجة كبيرة حتى أن (العيب) أصبح في مفهوم بعض فئات المجتمع أشد أثرا وأكثر جزرا من كون الفعل منهي عنه ومحرم شرعا، فقد يهتم الشخص منهم لردة فعل المجتمع وحكمه عليه وما يمكن أن يصفه به من صفات أكثر من اهتمامه أو مراعاته لجزر الشرع أو النظام، إلا أننا وفي ظل تلك الثقافة السائدة بدأنا نسمع ونرى من خلال وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة سلوكيات وعبارات تنم عن خلل واضح في محددات السلوك الاجتماعي والتي نتجت لأسباب متعددة ومختلفة منها ما هو معني بالأسرة في نطاقها الصغير وبيئتها الخاصة، ومنها ما هو معني بالمجتمع ومكوناته المختلفة وما ينتجه من ثقافة وما يقره أو ينكره من أفعال، ومنها ما هو معني بالمؤسسات الرسمية ودورها في ضبط السلوك العام للجماعة بما لا يمس حقوقهم وحرياتهم الشخصية
ونتيجة طبيعية لقصور تلك الأدوار سواء الأسرية أو الاجتماعية أو الرسمية عن القيام بدورها المأمول حدث الخلل وبانت العلة، فالكل يؤمن أنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى فهي معيار التفاضل والمقياس الحقيقي للكرامة والعزة والشرف، فالله تعالى هو من وصف المتقين بأنهم أكرم خلقه عنده (إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، ولكن هذا الإيمان يظل حبيس النفس وإن خرج فيفعل على شكل كلمات جوفاء لا يتعدى أثرها أفواه من يتحدث بها، فالعبرة لا تكون بحديث جميل منمق يتغنى بالمثل ويدعو للوحدة، بل تكون العبرة بمن صدق قوله فعله وترجم حقيقة إيمانه بما جاء به الدين وحدده من أسس للتعاون السليم المبني على فضائل الأخلاق والأقوال والأفعال
ولعل السبب فيما طرأ من سلوكيات يعود إلى غياب ثقافة اللحمة والوحدة والانتماء للوطن، ولعل ما نشر في الفترة الأخيرة عما تعرضت له إحدى السيدات السعوديات من وصف بذيء بسبب لون بشرتها على الرغم مما شهدته من تعاطف كبير يؤكد تلك الحقيقة التي نرفض الاعتراف بها ونصر على أننا مجتمع نقي لا تشوبه شائبة وأننا مستهدفون في ديننا وخلقنا وكأنما نحن ملائكة تسير على الأرض، ولو كان الفضل للعرق أو اللون أو النسب لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبلال الحبشي (إني أسمع قرع نعليك في الجنة) ولما خلد سيد قريش(أبو جهل) في نار جهنم
فلم يؤخر بلال لونه ولا نسبه، ولم يقدم أبا جهل لونه ولا نسبه
وما تقدم يقودنا إلى حقيقة غائبة نرفض أن نعترف بها على الرغم من أهميتها ألا وهي غياب القانون الرادع الذي يجرم هذه السلوكيات، ويحدد عقوباتها بشكل واضح لا لبس ولا غموض فيه، فعلى الرغم من صدور أحكام في قضايا رُفعت ضد من أساؤوا بألسنتهم للآخرين إلا أن ذلك من وجهة نظري لا يعد كافيا، فغياب القانون الرادع أوقع في خلد البعض أن له كل الحق في أن ينعت من شاء ومتى شاء بما شاء من أوصاف وعبارات، فهو إن فعل ذلك فإنما يفعله كنوع من ممارسة حقه بل إنه يزيد صلفا وغرورا ويؤكد أنه إنما يتحدث عن حقيقة ظاهرة كالشمس لا تحتاج إلى تأكيد
! وإذا سلمنا بتلك الحقيقة فإنه من واجبنا كأسرة ومجتمع ومؤسسات أن نعمل معا وبشكل متوازن على أن نخلق بيئة صحية تجعل الحياة صعبة وعصية على كل الأقوال والسلوكيات التي تهدف إلى النيل من بشر أو تحط من كرامته بسبب لون بشرته أو نسبه
يحرسها ويدعمها قانون واضح في نصوصه، صارم في تطبيقه
إنها دعوة لكل العقلاء، لكل المحبين، للأب في منزله، للأم في أسرتها، للمعلم والمعلمة في مدرستهما، لرجل الأمن ولكل محب مخلص لتراب هذا الوطن، بأن نأخذ على يد كل من يزرع بسلوكه أو بكلامه بذور الفرقة ويسعى لتجزئة المجتمع ويعمل على خلق جاهلية جديدة لن يخسر فيها أحد غير الوطن
وأن نستبدلها بأن نزرع ثقافة التسامح والتآخي وأن اللون أو الجنس أو النسب تنصهر جميعها في مكون واحد هو الوطن
[email protected]
من أمن العقوبة...
بخيت آل غباش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
