يعاني السجين من نظرة سلبية نمطية من قطاعات واسعة من المجتمع، تتجسد في ملاحقته بنظرات الاحتقار والازدراء وعدم تقبله والتخوف منه وتجنب التعامل معه، فيما يمكن وصفه بحالة «رفض مجتمعي» له، وتلحق هذه النظرة النمطية أسرته وذويه، ويزداد الأمر سوءا إذا كانت هذه النظرة من أقارب السجين أنفسهم، بزعم ابتعادهم عن «العار» الذي سببه لهم، ففي هذه الحالة ربما تسببت هذه النطرة في إصابته باكتئاب وأزمات نفسية مختلفة، الأمر الذي ينعكس على حرمانه عند الإفراج عنه من حقه الطبيعي هو وأسرته في أن يحيوا حياة خالية من توجس الناس بهم، يشعرون فيها بالراحة والاطمئنان.
إن السجين المفرج عنه، شئنا أم أبينا، هو فرد من أفراد المجتمع، حاد عن الطريق السوي حينا من الوقت، وحين أساء إلى هذا المجتمع، نال عقوبته، أي إن المجتمع اقتص منه بتوقيع العقوبة عليه، وتنفيذه لها، لذا فإن تقبل المجتمع لهذا السجين المفرج عنه، يظل أمرا ضروريا، فمن المنطقي أن فلسفة العقوبة، أنها وقتية غالبا، وتهدف لإعادة دمج السجين المفرج عنه في أوساط المجتمع، لمساعدته في أن يكون مواطنا صالحا.
وطالما كان السجن بيئة مناسبة لـ»التأديب والتهذيب والإصلاح»، أو هكذا يجب أن يكون، لذا ينبغي أن يقتنع المجتمع بأن المفرج عنه، بصرف النظر عن الأسباب التي أدخلته السجن، مهما كانت فداحتها، هو الآن قد تم إصلاحه وتأهيله، ليحيا ويخدم وطنه مثله مثل أي مواطن آخر، الأمر الذي يوجب على المجتمع، أن يوفر له الوظيفة المناسبة، وكذلك الأجواء المناسبة لممارسة تلك الوظيفة، والتي تغيب فيها الأسباب التي قد تدفعه للعودة إلى السجن من جديد.
ومن الطبيعي، أن نتفهم ما قد يبدو من قلق عند بعض شرائح المجتمع، وتوجسها من السجين المفرج عنه، فهذا جانب نفسي طبيعي، من الصعب تجاهله والقفز فوقه ونحن نعالج هذه المسألة، فالسجين المفرج عنه والذي سجن بسبب ارتكابه حادث سرقة أو أكثر، من الصعب أن يثق فيه الآخرون، ولا سيما أصحاب الأعمال، ومن بيدهم قرارات العمل والتوظيف، فيحجمون أو يترددون في توظيفه، مع توافر المؤهلات العلمية والعملية فيه، وحتى إذا تم توظيفه، يظلون لفترة طويلة ينظرون إليه بنظرات ملؤها الشكوك والارتياب، فهو محل للاتهام في أي وقت، فهو متهم حتى تثبت براءته، على عكس قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
والسجين المفرج عنه، والذي دخل السجن بسبب قضية أخلاقية، يظل كذلك محل شبهة في أي وسط اجتماعي يختلط به، سواء في العمل، أو بين الأقارب والأصدقاء، ويتم تفسير أي كلمة أو حركة أو إيماءة منه تفسيرا متعسفا، وتحميلها ما لا تحتمل، والأمر نفسه ينطبق على السجناء الآخرين بصفة عامة، وبصفة خاصة هؤلاء ممن تورطوا في قضايا المخدرات، سواء على مستوى البيع والاتجار أو التعاطي.
ومن الصعب عمليا توجيه اللوم للناس العاديين، في تحفظهم النفسي تجاه السجناء المفرج عنهم، والذين يصعب عليهم القبول بهم مباشرة، وتغيير النظرة النمطية إليهم هكذا بكل بساطة، لذا فإن مسألة دمج هؤلاء وتوظيفهم والأخذ بأيديهم، هي بشكل أساسي مسؤولية الدولة ومؤسسات المجتمع المدني..أما عن وسائل ذلك، فلهذا حديث آخر.