مصطلح «ما تعم به البلوى» فقهي يستخدمه المفتون في التجاوز عن كثير من الصغائر التي في الأصل لها حكم المنع أو البطلان، ولكن بسبب أن هذه الأمور عامة لا يستطيع الإنسان الاحتراز منها إلا بالمشقة والحرج فإن الشارع رفع المسؤولية عنها، وعند النظر في التعامل الإسلامي مع هذه الأمور تستنهض الأذهان نحو الاحتجاج بما يعم الناس من بلوى على أنه جائز ولا ضير فيه تمهيدا لتتقبله النفوس في انجراف معنى.
نحن جميعا في العالم اليوم نشترك في جوانب كبيرة ومصائب متعددة عمت بها البلوى على الناس نتيجة تفريط أهل الحقوق في حقوقهم وتقصير أهل الواجبات في أداء الأمانة، حتى صارت الشكوى من أمور لها علاقة بحياة الإنسان الضرورية نوعا من «الأسطوانات المشروخة» إعادة وتكرارا، مما أصاب المجتمع بملل طغى وبغى حتى هو المشكلة وليس موضوع الشكوى والمعاناة بالمشكلة أمامه، وبسيط على أي مسؤول فيلسوف في عصرنا أن يقنعك بقاعدة واحدة هي (زيك زي غيرك).
وكما تأثر كل المثقفين بهذه الشماعة التي يعلقون عليها صبرهم وسكوتهم تأثر أهل القرار والحل والعقد في المواقع التي تخدم الإنسان والمجتمع خدمة مصيرية، وأصبحوا يستخدمون ثقافتهم الدينية ومعلوماتهم الفقهية للاستدلال بقواعد في الفقه الإسلامي ليكون وقع تأخير الحاجات عن أهلها وتقصير المؤسسات في أداء واجبها خفيفا على القلب وخاليا من «الكوليسترول» فلا يتورعون عن القول: بأن ما يشتكي منه الطالب الذي لم يجد جامعة يلتحق بها والشاب الذي لم يجد وظيفة يتزوج منها كلها من الأمور التي «تعم بها البلوى».
وإذا كان وقوف طوابير المراجعين في الشارع دون واق من أشعة الشمس، وتعطل العديد من السيارات في شوارع كانت بالأمس معبدة وأصابها اليوم نهش ونبش بفعل شركات لا تحاسب ولا تراقب، وانقطاع التيار الكهربائي في فصل الصيف بسبب مولدات كهربائية أهملت صيانتها في فصل الشتاء، «وتطنيش» العديد من الوزارات والمصالح الحكومية لانتقادات المواطن بل والمستفيد من الخدمة المفروضة عليها، وإحضار المدرس كوب الشاي والقهوة أثناء الحصة الدراسية وانشغاله برسائل الجوال ومتابعة هروب أحد عمال مؤسسته التجارية المسجلة باسم زوجته نؤوم الضحى، واستخدام الأطفال حاويات النفايات في الشوارع كعربات يدفعونها في لهوهم وتصابيهم، إذا كان كل ذلك مما تعم به البلوى فنحن دوما نظلم المسؤولين.
ومنذ زمن أثناء حديثي مع أحد الموظفين لدى مراجعتي مصلحة مستحقة لي في دائرة حكومية قال لي ذلك الموظف الكبير قدرا ووظيفة وقد زاده الله بسطة في الجسم والرسم «يا أخي لا تكثر هرجك زيك زي غيرك كلهم صابرين وساكتين إِحنا ما نظلم أحد» فقلت له: إن كان ما لي من مصلحة في هذه الدائرة هو صدقة وعطية ومنة فأنا متنازل عنها لإخواني الصابرين والساكتين، وإن كان هذا الذي أطلبه حقا لي وأنت تعترف بذلك فلا يعني تأخير الحق عني وعن غيري سوى أنكم لا تظلمون أحدا بالفعل، بل تظلمون آحادا..ليذكرني هذا النهج الذي بات مسموعا في كل مكان بالأخبار والبرامج التي تنتقد الموت الجماعي والإبادة الجماعية والإضراب الجماعي والهروب الجماعي، مظهرة تلك الأمور على أنها من الفظائع، وبالمقابل أتى الترويج للزواج الجماعي والقراءة الجماعية والسفر الجماعي والنقل الجماعي، معتبرين ذلك من أفضل وسائل التعاون على الخير، دون أن ينظر أحد لمظاهر جماعية أخرى مهمة هي «النسيان الجماعي والإهمال الجماعي والتقصير الجماعي» الذي عمت به البلوى وعمت به المشقة في كل الأصعدة دون اعتراف أو على الأقل وعد بالتحسين.
وعندما تأتي التسلية من الذي يشترك معك في المصيبة أو من صديق أو عابر سبيل فتلك من شيم الأخلاق، لكن أن تكون التسلية من الجلاد للضحية بعبارة «زيك زي غيرك» فهذه من عجائب دنيانا الجديدة علينا وعلى غيرنا.
زيّكْ زيْ غِيرَك
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
