كان العم حامد ومعظم تجار السوق غير مستوعبين أو مدركين للتغيير المقبل والطفرة التي ستهب رياحها قريبا
سالم وحده هو الذي أثر فيه كلام الأستاذ صالح
حيث بقيت كلمتا «التراب أغلى من الذهب» و»العمالة من الشرق والغرب» علامتين فارقتين ترنان في ذاكرة سالم وقلبه
لكن سالم الذي ساعده العم حامد ووطد أقدامه في السوق وأصبح من كبار تجاره، كان متطلعا للجديد بعيني صقر يلتقط الفرص المقبلة
اشترى مساحات شاسعة خارج المدينة
تعاقد كوكيل مع أكبر الشركات العالمية
استقدم آلاف العمال فيما بعد لتأسيس أعماله الجديدة
وكان أول من أجر دكانه القديم لعمالة وافدة
اعترض عليه العم حامد كثيرا وقال له: يا خسارة تعليمي فيك
تسيب محل أبوك لناس أغراب ما تعرفها ولا نعرفها
بديت صح
لا تنهيها غلط يا ولدي
رد عليه سالم: يا عم حامد الدنيا تغيرت
وحتتغير أكثر
وأنا أنصحك من الآن
دبر نفسك ولم فلوسك
واركب موجة التغيير القادمة
لا يفوتك القطار!عم حامد: ماحيفوتني القطار
أنا هنا
ولدت هنا
وأموت هنا
هذا سوقنا ما حنتخلى عنه!سالم: طيب وإذا أهله سابوه؟!عم حامد: ما حيسيبوه
الناس ما هم مجانين
يصكوا أبواب رزقهم!العم حامد ذهب بصفته شيخ السوق لكل التجار والدلالين والصنايعية، شاكيا لهم سالما ومحذرا لهم بألا يتركوا محلاتهم لأناس أغراب!لم يتفاعل معه الكثير
فالتغيير أكبر من أن يقاوم إغراءه الجميع
وبقي العم حامد يناضل وحده مثل السيف فردا، ثابتا لم يتغير
ولكن لا أحد معه
حتى مركازه خلا من الأصدقاء
مضت الأيام واعتلت صحته كثيرا، وساء مزاجه
ومن قبلها زاد عدد الأغراب وضعه سوءا
كان سالم يرسل بين الفترة والأخرى من طرفه من يتفقده في دكانه القديم دون أن يعرف، ويشتري منه بضاعته الكاسدة!تغير السوق وذهب الأصلاء منه، أو استخدموا بدلا منهم عمالـة قادمـة من أقصى الشـرق والغـرب
لم يعد العم حامـد شيخا للسـوق ولا ذا كلمة مطاعة فيه، فقواعد السوق وأهله قد تغيرت
ولا رأي لمن لا طاعة له!زاد اعتلال العم حامد جسديا ونفسيا، لدرجة أنه خرج من دكانه يصلي المغرب في مسجد السوق! فسمع إماما كان يقرأ القرآن مكسرا، ظن للوهلة الأولى أنه دخل غير المسجد، أنهى الصلاة، تلفت في أرجاء المسجد فإذا هو نفسه، أحبط لأن الإمام الذي يصلي به منذ ثلاثين عاما ذهب مع الذاهبين! أراد العودة لدكانه، فتاه ولم يعرف طريق العودة مرة أخرى
فالناس غير الناس، والسوق غير السوق
بكى العم حامد بحرقة
شعر أنه خسر المعركة
زاد الأمر سوءا أنه أيضا لم يعرف طريق العودة إلى بيته ثانية! لم يجد أحدا من جيرانه يعرفه أو يدله عليه! فالجميع ارتحل وذهب إلى غير حياة!وضع يديه على رأسه متسائلا: كيف يفعل أناس بأنفسهم هكذا؟! كيف يعتمدون على آخرين إلى هذا الحد؟! إلى متى سيطول صبرهم على هذه الحال؟! وكيف أعود إلى بيتي؟ وأين أجد أهلي؟ أضنى التعب قدميه، جلس القرفصاء والدموع تملأ عينيه، أسند ظهره إلى جانب إحدى البنايات الحديثة
أغمض عينيه
فيما كان أهل العم حامد يبحثون عنه بنشر اسمه وصورته في الصحف تحت عنوان: رجل طاعن في السن مصاب بالزهايمر فعلى من يجده الاتصال على ذويه أو تسليمه إلى أقرب مركز شرطة!
العم حامد ليس مصابا بالزهايمر!
محمد الأسمري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
