ساعات العمر حروف جلية، بعضها سرياني أصلع، وبعضها أسودي دؤلي منقوط جلي مزخرف مضموم مفتوح مكسور مشدود، تبدع في نقش الذكريات؛ فلكأنها البارحة القمراء حين هتف بي عشق مكي لأنظم لمنعشي نبضات قلب صحيفة عاشت ندوة عتيدة بتاريخ وسبق وإبداع وتأصيل، قبل أن تتوقف أنفاس رحلتها، ثم تعود طفلة بخطوتها النشوى، ورونقها وحياتها واسمها الجديد «مكة».
كنت قبلها قد صاحبت مسيرة ولادة طفلة سمراء ظلت تتبسم وتتقلب على شاطئ الخليج، وتحبو خطواتها الأولى، وتنمو لتعتلي الشرق، فداعبت عنفوانها حولين كاملين قبل أن أفطم منها، أو أنها فطمت مني؛ فأشرب بكأس عينها سعادة تحوي حبا يتمناه كل قلم جامح بصور اهتمام ومداعبة شغاف قلب ووعي القارئ بأمكن الصور والروابط.
مجنون مغامرات حرفية أنا، تتوق تطلعاتي لأبعد السطور الضوئية، فأكون قرين «مكة» الحيوية، والمغامرة السنية برونق حياتها المستعاد، وحنين عطش سنين أبعدها عن أعين محبيها، نلعب نشوة متعانقين، ونستمد الطاقة من وهج شموس المستقبل، وروعة المغامرة، والتحدي المتجدد الثقة.
وقفت مقامي بين الحطيم وزمزم، وطفت بكل سنين عمري، وسعيت على دروب من نور، حتى بلغت مداراتي 222 مقالا شكلت وعيي بكل ذكرياتها وجهدها وطموحها، وسعادتها، وبكل عفوية حب نثرته فيها على الورق، وكل حنو وسكينة شربتها معينا صافيا معها من أيدي الطاقمين الإداري والفني المبدعين، من احتضنوني فوق صفحاتها 222 فضفضة، ومكنوني من نقش ملامح وجهي ويومي بحبرها الجذاب.
222 سؤالا لم تكن مجرد خواء فكري، بل إني أعتبرها بحوثا وتجارب ومغامرات وصرخات وأنفاسا مكتملة الاستدارة عميقة أنفث معها خيباتي ووهمي وحيرتي.
222 مقطوعة عزف مشترك، حاولت أن أستحم خلالها بأطياف الضياء والحق، والتفاؤل والمنطق، أو ببعض أمنيات وحسرات وجفوة وقلق على وطن وعدالة وحرية وإنسان.
222 لوحة ليست إلا أجزاء عزيزة حميمة من كيان طلاسمي، لا أظنها تتجزأ عني يوما، فلا أنا بدونها مكتمل الشخصية، ولا هي بدوني مضمحلة اليقين، ولا ورما خبيث الوجود والتأثير.
222 ولادة كانت تتمخض بباطن وجودي معانيها ومعاناتها، وتفاعلها، وترقبها، لتكتمل في عيني بدايات لحيوات جديدة.
222 مشعلا كنت أتأمل بأنها ستنير العالم بأسره، ولو أنها قد لا تضيء إلا مساحة مخادعة حول رفرفات أجنحتي، فراشة قد يخادعها الألق.
222 عكازا قد تقيل عثرات بعض من يقرؤونها، وقد أختار بعضها لتحملني في أيام جمود وشلل.
222 سهما كنت أرشقها وعيا على أقدام التخلف، وأعين الإرهاب، وصدور العنصرية، وأذرع الظلم، وأكتف المحسوبية، وأنامل القهر، وكبود الرياء.
222 معولا لهدم الغلو، والإحباط، والتشويه، وغسيل العقول، والسيطرة على ضعفاء البشر، من فقدوا حبال حرياتهم خلف سياج الخوف.
222 طلع زهرة كنت أنشرها عطرا لأنفاس النقاء، ولأيدي العهد والوفاء، ولعطاء رباني، لا ينتظر دنيوية الجزاء.
222 صرخة قد أكون مبالغا في تقدير ثمنها، فيرى غيري أنها لا تساوي هذه الاحتفالية النرجسية، ففوق الأرض تنوع للأمزجة مباح، وتحت السماء أجنحة حرية لمن يريد أن ينتقد، طالما أنه لا يقفز على سياج شخصي، ويكتفي بمناقشة فكرية، وباحترام يجعلني أستخير 222 مرة قبل أن أقول كلمة مما قد يستجلب حسرة الندم.
shaher.
a@makkahnp.
com