ليس من العدل أخذ الشعر الجاهلي كله بمذمة بسبب أن جزءا منه تعرض لجسد المرأة، ببساطة لأن ذاك النوع من الشعر هو ابن بيئته، فلم يكن مطلوبا منه في ذلك الوقت أكثر مما جاء به.
إنما الخطأ الفادح هو أخذ شعر ذلك الزمان وسكبه على صورة النساء في زماننا المعاصر.
الشعر الجاهلي كنص عكس الواقع الذي عاشه الشاعر في زمانه من خلال استعانته بأدواته الشعرية، وكانت المرأة من ضمن تلك الأدوات، لذا لم ينجح من ذلك النوع إلا ما نبع من وجدان الشاعر معبرا عن تصديه لما هو غير واقعي من التصورات.
وبالرغم من اعترافنا بحقيقة أن الخيال في الشعر يخدم هذا الواقع في كثير من الأحيان إلا أنه ليس لدرجة أن نسترجع نماذج من خزانة الشعر الجاهلي ونعالجها شعرا أو نثرا لتصبح صالحة لزمننا المعاصر.
ولن يكون إلا مجنونا ذلك الذي يأتي في يومنا هذا ويقول عن امرأة ما بمثل ما قال الأعشى «غراء فرعاء مصقول عوارضها، تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل».
يعرف الشعر الجاهلي بأنه شعر وصفي حسي، اهتم بوصف المكان ومظاهر البيئة وكل ما يتراءى أمام الشاعر وما يعايشه من أحداث.
ومن الأماكن التي تعتبر مولدات شعورية لدى الشاعر الجاهلي ديار الحبيبة، كما اهتم بدربها الذي تسلكه لتصل إلى مورد الماء لسقيا أغنامها وجِمالها، موقع السمر مع صويحباتها، وحتى مكان مبيتها داخل دارها.
وقد اهتم الدارسون بهذا النوع وقاربوا بينه والنسيب وهو النوع الخاص ببث الشوق وتذكر الأيام الخوالي وتمني عودة تلك الأيام، وقد رفعوا هذا النوع الأخير درجات أعلى من الغزل.
بالرغم من أن أهم أغراض الشعر العربي الجاهلي هي الوصف، ودخل الغزل وذكر النساء في هذا الوصف بأن يذكر الشاعر الحبيبة ومحاسنها ومشاعره تجاهها، إلا أننا نجده مقارنة بمدارس شعرية حديثة، هو أكثر تعففا عند ذكر المرأة.
ولم يخل الشعر الجاهلي من استحسان أدب المرأة وعفافها، ولم يقتصر هذا الاستحسان على الشعراء من القبائل العريقة، إنما حتى الشعراء «الصعاليك» وهم الذين كانوا يغزون ويسلبون القبائل الغنية ليوزعوا غنائمهم على المنبوذين والفقراء مثل الشنفرى الذي أعجبه حسن أدب المرأة وقال فيها:«لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها إذا ذكرت ولا بذات تلفت كأن لها في الأرض نسيا تقصه على أمها وإن تكلمك تبلت» وبالرغم من أن سمة الغزل في الشعر الجاهلي هي الغزل الصريح، إلا أن أكثر ذلك الشعر وأعذبه لم يكن إلا مجرد تمن برؤية تلك الأجزاء المتخيلة من جسد المرأة.
وتلعب أسباب مثل ندرة مشاهدة الرجال للنساء، ونفور العرب من ذكر أوصاف نسائهم في أشعار تتناقلها الركبان عوامل رئيسة أدت إلى كثرة الغزل في الشعر الجاهلي وهو نتاج لما يولده الحرمان.
أما الصفات الحسية الجمالية والتي أعلنها الشعر الجاهلي فلم تذهب كلها مع ريح الحداثة، فقد تم إنعاشها وما زال بعضها من الصفات المحببة في المرأة مع الاختلاف في بعض التفاصيل، كضخامة الجسد وكسلها وغيرها من الصفات السالبة.
والواقع أن الشاعر الجاهلي أحب الصفات التي وجدها في امرأة بيئته، فقال عنها بفطرة شديدة التوهج كل ما لا يستطيع إدراكه.
ولو جيء بامرئ القيس نفسه الآن لما قال ما قال، لأن ما يلهب خيال الشعراء وغيرهم في امرأة اليوم هو أعظم وأجل من صفاتها الحسية.
أما شعراء الغزل المعاصرون فقد تقلب بين أيديهم الشعر وتغير على مدى العصور الحديثة، حتى غدا متصاعد الوتيرة ما بين حسي صريح ورمزي.
الشعر الجاهلي.. جمال وأزمة جندرية
منى عبدالفتاح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
