ما زالت أصداء صورة غرق الطفل إيلان على الشواطئ التركية والتي تناقلتها وسائل الإعلام العالمية آخذة في الانتشار وعبور البحار والمحيطات التي عجز جسده الطاهر عن عبورها، واختلفت حولها ردود الأفعال باختلاف الثقافات المجتمعية هنا وهناك.
إلا أن ما يلفت النظر ويستوجب التوقف قليلا تقصيا للحقائق وتحليلا موضوعيا للحدث! هو ردود أفعال بعض فئات مجتمعنا بعواطفهم الجياشة والمثقلة بجلد الذات التي لا مسوغ لها البتة، لا سيما وأن الحدث لا ناقة لنا فيه ولا جمل، فما هو إلا قدر إلهي ونتاج حروب قذرة وسياسات معقدة، تبدأ بديكتاتور أحمق مرورا بخذلان المجتمع الدولي، وانتهاء بمصالح دولية كبرى لا يدركها من تجاهل قراءة الواقع على حقيقته!ونحن بهذا لا نثرب على من رفع يديه داعيا الله بكشف الغمة أو ذرفت عيناه وتحسر قلبه حزنا وألما لما آل إليه مصير إخواننا في بلاد الشام الحبيبة، فهو حق مشروع وواجب تمليه علينا روابط الدين والنخوة والعروبة، على ألا يبلغ ذلك الأمر تدخلا فيما لا يدرك منتهاه ومآله، كما لوحظ من ردود أفعال بعض رموز مجتمعنا، والمطالبة من خلال هاشتاقات وتغريدات متعددة بفتح الأبواب لكل اللاجئين في بلادنا؟ وما ذاك في ظني إلا استجابة لرغبات متابعيهم بعيدا عن ما تضمره عقولهم؟ ولو قدر لأحدهم استضافة أسرة واحدة لطالب بإجابات لأسئلة عدة؟ تشمل الديانة والمذهب والسيرة الذاتية لكل فرد منها!في الوقت الذي يسطر التاريخ فيه أروع المواقف المشرفة لبلادنا حيال الكثير من الأزمات الدولية المتعاقبة على الدول الإسلامية في شتى بقاع الأرض، بدءا بلاجئي بورما ومرورا بإخواننا الفلسطينيين وانتهاء بمخيمات اللاجئين العراقيين إبان حرب تحرير الكويت.
وخير شاهد عل ذلك ما تقدمه حكومتنا في الوقت الراهن من دعم لا محدود في مجالات الصحة والتغذية والتعليم والسكن لإخواننا اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، بالإضافة لاحتضان نحو مليون سوري على أراضيها ولم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، في حين أن الاتحاد الأوروبي تقفل حدوده وتشل وسائل المواصلات فيه أمام عدد لا يتجاوز 200 ألف لاجئ، ونجد من يتغنى بإنسانية الغرب المزعومة.
ومع كل حدث سياسي تتكشف لنا حقائق وجوه في الداخل والخارج تستوجب التعاطي معها وفق ما تقتضيه المصالح والمفاسد والاستفادة من التجارب التي مرت بنا سلفا!فما يحدث في سوريا ما هو إلا تغيير ديموغرافي ممنهج وبمباركة الدول العظمى، وما حدث للفلسطينيين يجب ألا يتكرر لإخواننا في سوريا، وما يحدث من توزيع للاجئين بين دول أوروبا ما هو إلا جزء من تلك اللعبة الخبيثة، ولو حسنت نواياهم! كان بوسعهم إصدار قرار يحميهم من براميل الموت وتأمين العيش لهم في ديارهم بدل أن يؤمن لهم سبل الهجرة؟ولمن اغتر بأخلاقيات الغرب الزائفة؟ عليه مراجعة نفسه! فمن لا يجيد قراءة التاريخ يصعب عليه إدراك الحاضر وتنبؤات المستقبل، ومن حمل هم الأمة ومستقبلها فعليه الإجابة على تساؤلاتها، فبعد إفراغ الشام من غالبيته السنية..هل ستقبل بسوريا المسيحية أو الصفوية؟ فإجابتك هي من سيحدد رؤيتك بين العاطفة والسياسة؟