لماذا بدأ التطرف الفكري الديني في بلادنا، ولماذا أغلب العمليات الإرهابية منتسبوها من الجنسية السعودية، ولماذا يسهل اقتناص الشباب السعودي للدخول في متاهات الإرهاب أكثر من غيرهم؟
قبل أن نطرح تلك الأسئلة، يجب أن نعلم أن الإرهاب في حقيقته ما هو إلا نفوس مليئة بالكراهية، فلا يمكن لامرئ أن يقتل أو يحرق أو يذبح من يحب، فلا يتجرد الإنسان من إنسانيته إلا إذا سيطر عليه البغض.
فإذا آمنا بذلك؛ سهل علينا معرفة الرابط بين الإرهاب والشباب السعودي ألا وهو الكره الذي يغذى في نفوسهم ونفوسنا منذ الصغر.
فقد تعلمنا ويتعلم الآن أبناؤنا في المراحل الإعدادية أو المتوسطة، بغض الشيطان الذي يحث على كل شر، وبغض الهوى الذي يهوى ما حرم الله، وبغض نفسك الأمارة بالسوء، وتؤلف في هذا كتب عديدة باسم أعداء الإنسان الثلاثة.
ومن هنا يبدأ الصراع الداخلي، الذي ينافي الطمأنينة وانشراح الصدر للمؤمن، نتيجة المبالغة في تعميق الكراهية، وإعطائها أكبر من مساحتها المفروضة.
ثم بعد ذلك؛ عليك أن تكره أهل الشهوات والمعاصي والسكارى وكل من يرتكب ما حرم الله، ومن هنا تنشأ الغلظة والبعد عن الرحمة في الدعوة إلى الله، والتي تنافي الرحمة والرأفة المصبوغ بها الإسلام.
ثم عليك أن تبغض الكفار والملحدين وتتبرأ منهم، ولا تواليهم ولا تعاهدهم ولا تخالطهم، بناء على مبدأ الولاء والبراء، ومن هنا تعيش ممتلئا بالأحقاد التي تشكل قنبلة إنسانية موقوتة.
أضف إلى هذا مسألة المثالية المبالغ فيها، فعلى المجتمع بأسره أن يكون كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ومن فكرة المثالية وعدم تقبل أخطاء الآخرين، يتم تمزيق المجتمع لفئات وأطياف ومسميات، بدءا من الفاسق والفاجر والزنديق والملحد إلى الشيخ والمطوع وطالب العلم والمتدين.. فتبدأ الأحقاد والكراهية والعداوات فيما بين المجتمع الواحد.
ولو عدنا لعهده صلى الله عليه وسلم، لوجدناه مجتمعا واحدا محبا متراحما، حتى مع السكير الذي كان يقول عنه صلى الله عليه وسلم (لا تعينوا الشيطان على أخيكم)، وحتى في القرآن سمى الله الفرق المتحاربة من المسلمين بالإخوة.
لقد كان صلى الله عليه وسلم يستغفر للمنافقين، الذين هم كفار على الحقيقة، ويسكن بجواره اليهودي، ويقف لجنازة غير المسلم، واليوم لا نأمن على أنفسنا ممن يحملون هويتنا وديننا.
إن امتلاء القلوب بالكراهية، وتعزيز النقد والبحث عن الأخطاء، يفتتان المجتمع، وينزعان الرحمة التي بها تكون إنسانا، ويسهلان الاصطياد من الفئات ذات التفكير المنحرف، فالإرهاب غذاؤه الكره والبغض.
باختصار، الأمر كما يقول الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء