المتاجرة بالقضايا الإنسانية لم تكن يوما ما هدفا سياسيا أو إعلاميا سعوديا، وظلت هذه السياسة السعودية سائدة حتى عصرنا الحالي، إيمانا منها بأن الكرامة الإنسانية تفوق الاعتبارات السياسية أو المكاسب الإعلامية، فلم تتحدث السعودية عن أعداد السوريين الذين تستضيفهم على أراضيها، ولا عن التسهيلات التي قدمتها لهم، أو عن التبرعات التي قدمتها وتقدمها حتى هذه الساعة، وهي التي استقبلت أكثر من مليون سوري بين مقيم ولاجئ، وقبلت 100 ألف طالب من أبنائهم في الجامعات السعودية، علاوة على الدعم الكبير الذي يسهم في تحسين الأوضاع المعيشية بمخيمات اللاجئين السوريين في لبنان والأردن.
يضاف إلى ذلك المرونة والتسهيلات التي قدمتها لهؤلاء اللاجئين، أهمها: منح القادمين بتأشيرة زيارة حق الإقامة، ومنح إقامة نظامية لكل من تنتهي تأشيرة عمله وجواز سفره، وأنه خلال تدفق الفارين من الأوضاع في اليمن جرى استقبال الراغبين منهم بالدخول إلى السعودية وتم منحهم إقامة نظامية.
وفي المقابل، انشغل السياسيون والإعلاميون الأوروبيون طوال الأيام القليلة الماضية بالمتاجرة في قضية اللاجئين السوريين لاعتبارات سياسية وأخرى غير سياسية، يحركها اليمين المتطرف والإعلام غير الرصين، فوجهت انتقادات جادة للدول الخليجية، بما فيها السعودية لعدم استقبالها لاجئين سوريين، ومن بينهم الصحفي البريطاني الشهير في (الإندبندنت) روبرت فيسك الذي وزع كيلا من التهم جزافا دون أن يكلف نفسه عناء البحث عن المعلومة الصحيحة.
فالأرقام التي نقلتها الصحافة الغربية تقول إن مجموع اللاجئين الذين اتفق وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي ودول منطقة الشنجن على قبول استضافتهم 22 ألفا و504 لاجئين سيتم اختيارهم من مخيمات اللجوء خارج دول الاتحاد الأوروبي، معظمهم من السوريين، وإنه وفقا للائحة التوزيع ونظام المحاصصة في نقل طالبي اللجوء في دول الاتحاد الأوروبي التي تم الاتفاق عليه فإن نصيب النرويج من هؤلاء اللاجئين بلغ 3500 لاجئ، تليها فرنسا 2375 لاجئا، وبريطانيا 2200 لاجئ، ووزع الباقون على باقي دول الاتحاد، كما اتفق وزراء الداخلية الأوروبيون على توزيع 32 ألفا و256 لاجئا موجودين في إيطاليا واليونان على بقية دول الاتحاد الأوروبي ومنطقة الشنجن، حيث تعهدت ألمانيا باستقبال 10.500 لاجئ، كما تعهدت فرنسا باستقبال 6.752 لاجئا.
هذه الأرقام التي جعلت الإعلام الغربي يتاجر بقضية اللاجئين بمن فيهم السوريون، لا يمكن مقارنتها بمليون لاجئ تستضيفهم السعودية مع التمتع بكل الامتيازات المتعلقة بالحياة الإنسانية كحق العمل، والتنقل دون رقابة، في مقابل نحو 200 ألف لاجئ يعيشون في مخيمات أو مناطق معزولة، مقسمين بين نحو 20 دولة، علاوة على أن ما تقدمه السعودية لهؤلاء اللاجئين يحفظ كرامتهم بعيدا عن كاميرات الإعلام ومصوري الصحافة، في مقابل مطاردات وملاحقات أمنية لهؤلاء المنكوبين، وكاميرات تصور المأساة والبؤس دون اعتبار للكرامة.
بالطبع تعاطف بعض القيادات السياسية في أوروبا، وبعض أحزابهم ومؤسسات المجتمع المدني، مع اللاجئين السوريين، أمر يدخل في خانة الاعتبارات الإنسانية التي لا يمكن إنكارها، وتأتي نتيجة لالتزامها بمعاهدة استقبال اللاجئين، لكن المتاجرة بهذه القضية في دهاليز الإعلام والسياسة المنحازة يفقد القيم الإعلامية مصداقيتها، ويعد انتكاسة كبرى في نصرة القضايا الإنسانية العادلة، فأزمة اللاجئين السوريين كشفت عورة الإعلام الغربي، وأفقدته إنسانيته بعيدا عن الأيديولوجيا الدينية والاجتماعية، فالانحياز للقيم الإنسانية في مثل ظروف اللاجئين يجب أن يطغى على ما سواه من الاعتبارات الأخرى،
وما حدث في الإعلام الغربي وحديث بعض الساسة لم يكن كذلك، إذ حضرت الأيديولوجيا الدينية والاجتماعية وغابت القيم والاعتبارات الإنسانية، فالتوظيف المقيت لهذه الأيديولوجيا في معالجة القضايا حتى الإنسانية منها أمر معيب، هذا التوظيف ظهر واضحا في معظم هذه الصحف التي تحدثت عن كيفية وقف هذا الطوفان من اللاجئين، والحديث عن الخطر الذي يشكله اللاجئون والفارون من جحيم الحرب على تلك الدول.
وعن مهنية الإعلام الغربي بشقيه المرئي والمقروء وإنسانيته، نجد أنه بدأ يفقد بريقه، وحلت مكانه المتاجرة بالقضايا الإنسانية التي لا تلقي بالا للمعايير المهنية والأخلاقية، ووظفت الأيديولوجيا الدينية والاجتماعية في أبشع صورها المقيتة.
هل فقد الإعلام الغربي إنسانيته؟
محمد العوفي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
