من البدهي أن يحدث ضرب الأسرة السعودية في مطار إسطنبول من قبل رجال الجوازات التركية ردود فعل واسعة من قبل الرأي العام السعودي؛ وذلك لسببين، السبب الأول: أن الرأي العام لدينا أصبح له حضور قوي اليوم نتيجة توفر وسائل التعبير عنه من خلال وسائل الاتصال الحديثة، والسبب الثاني: وجود سخط مسبق لدى قطاع من السياح السعوديين من تصرفات موظفي مطار إسطنبول نتيجة تجارب شخصية مر بها أولئك السياح، فكان الحديث المتداول عن حادثة الأسرة مناسبة للتعبير عن ذلك السخط المسبق، وقد حرصت على تتبع تعليقات المغردين في (تويتر) عن الحادثة فوجدت أن كثيرين أبدوا سخطهم نتيجة تجارب شخصية، وغالب من قرأت لهم يعتقدون أن سوء المعاملة تقتصر على السائح الخليجي، لكن من ملاحظتي وتجربتي الشخصية لحظت أن سوء المعاملة عام وليس خاصا بالسائح الخليجي، إذ وقعت أمام عيني في المطار المذكور حوادث منها حادث مع غربي، وآخر مع شرق آسيوي، وحادث ثالث مع مسافر تركي، ورابع معي أنا شخصيا، والدافع لكل تلك الحوادث مراجعة القول مع الموظف، حيث يوجه الموظف المسافر لأمر ما فلا يفهم المسافر التوجيه مما يدفعه لإعادة السؤال مرة ثانية وأحيانا ثالثة فيستشيط الموظف غضبا ويرفع صوته باللغة التركية بما يشبه السباب، وقد حدث مثل هذا معي مرتين، ففي أولى سفراتي لتركيا سألت موظفة الفيزا عن الثمن المطلوب فأخبرتني، ولم أتبين المطلوب من كلامها فأعدت السؤال فاستشاطت غضبا وردت عليّ بما يشبه الصراخ، ولم يبن لي الجواب من صراخها فأعدت السؤال ثالثة فقامت قيامتها وبدأت تضرب بكلتا يديها الطاولة التي أمامها وتتكلم باللغة التركية، وفي سفرة أخرى اشتريت من إحدى البائعات في المطار زجاجة ماء فأعطتني الإيصال فأخذته وذهبت به للبائعة الأخرى فأخذت الإيصال، وتكلمت معي بلغة تركية فلم أفهم مقصودها، ووقفت انتظر الزجاجة فلم تعطنيها ثم سألتها عنها فغضبت غضبا عارما وخُيِّل إليَّ أنها ستضربني، وقد رفعت صوتها وهي تصرخ بلغة تركية وتشير بيدها إلى البائعة الأولى فآثرت الانسحاب وترك النقود، وذهبت، فلحق بي رجل تركي كان يراقب الموقف، ودلني على مكان زجاجات الماء ففهمت حينئذ أن البائعة تريد مني أخذ الزجاجة من ذلك المكان، ويبدو أن الأمر متعلق بطبيعة الشخصية التركية، إذ تتميز تلك الشخصية بالحدة وسرعة الغضب، ولهذا فهي لا تتحمل مراجعة الكلام خاصة أن اللغة غالبا ما تكون حاجزا عن التفاهم، وحينما أنتقد الشخصية التركية هنا فلا يعني هذا أنني أبرئ غيرها ففي كل الأعراق سلبيات، والعرق العربي يشبه التركي في الاتصاف بالحدة وسرعة الغضب، وعلى كل ليس المراد في هذا المقال تحليل الشخصية التركية أو العربية بل المراد الكشف عن ظاهرة منتشرة في الوسط الثقافي السعودي وهي ظاهرة توظيف الأحداث لخدمة أجندة إيديولوجية، فحادثة الأسرة السعودية في مطار إسطنبول كان المفترض أن يظل الحديث عنها في حيز التحقق مما حدث ثم المطالبة بإنصاف الأسرة بالطرق القانونية مثلها مثل كل حادثة تشبهها تقع في أي مكان أو زمان، لكن كالعادة جرى توظيف الحادثة لسياق أجندة إيديولوجية، فالمحسوبون على التيارين الليبرالي والجامي وجدوا في الحدث فرصة للتشفي من الإخوان المسلمين على اعتبار أن الحزب الحاكم في تركيا من الإخوان، فأصبح الحدث مناسبة لتعداد سلبيات ذلك النظام فهو – في نظر الليبراليين – يتشدق بالحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان ثم ينتهك حقوق السائحين فيسلط عليهم موظفي الجوازات، وهو يتشدق بالتعاون مع العرب ثم هو يحرص على إهانة العرب في مطاراته، وهو – من وجهة نظر الجاميين - يرحب بالغربيين ويحارب المسلمين، ويحرص على حقوق الشواذ ويحارب الحجاب فيرغم من يرتدين النقاب من السائحات المسلمات على كشف وجوههن في المطارات التركية، ويتشدق بالإخوة الإسلامية والوحدة الإسلامية ويدعو للنهضة الإسلامية وهو يحاول بشتى الطرق إهانة السائحين المسلمين، وهو بهذا أنموذج على تناقض الإخوان المسلمين بين ما يدعون إليه وما يطبقونه.
وفي المقابل وجدنا المحسوبين على التيار الإسلامي الحركي تحول بعض منهم لمحام عن النظام الحاكم في تركيا، فهو يرى أن ما حدث للأسرة السعودية هو خطأ من الأسرة نفسها، فهي لم تلتزم بتعليمات موظفي الجوازات التركية، وهكذا هو تصرف السعوديين دائما يتسم بالفوضى، ثم على افتراض أن موظفا من موظفي الجوازات التركية أخطأ فلا يجوز التصعيد وتحويل الأمر إلى رأي عام، وذلك أن التصعيد مؤامرة من العلمانيين مقصود بها تشويه الحكومة التركية، وتشويهها ليس مقصودا به ذات الحكومة بل مقصود به تشويه كل ما يمت للإسلام بصلة، والواجب على كل مسلم أن يشد من عضد الحكومة التركية؛ إذ هي تواجه مؤامرات علمانية خبيثة، وهكذا ففي سبيل توظيف الحادثة لخدمة أجندة إيديولوجية يجري تضخيمها وتعميمها من قبل التيارين الليبرالي والجامي ليتوصلا من خلالها لنقد الإخوان المسلمين خاصة والحركيين الإسلاميين عامة، أو يجري التهوين منها ومحاولة نفيها من قبل التيار الإسلامي الحركي ليتوصل بذلك إلى إبعاد النقد عن النظام التركي الحاكم بصفته ممثلا للإسلام الحركي.